خلفت التظاهرات التي اندلعت في ميدان التحرير بالقاهرة ضد حكام مصر العسكريين المؤقتين ما لا يقل عن 42 قتيلاً وأكثر من 3000 جريح منذ بدايتها في 19 نوفمبر الجاري. ويتهم المتظاهرون المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوأد الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك في فبراير الماضي، والفشل في حماية حقوق الإنسان التي هدفت الانتفاضة إلى تكريسها.
وفيما لا تزال الاحتجاجات متواصلة والاشتباكات تتجدد بين الفينة والأخرى، يرى محللون وبعض من شباب الثورة أن هناك بعض المخاوف المتعلقة بغياب سيادة القانون في مصر.
المحاكم العسكرية
قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة منذ توليه السلطة باعتقال أكثر من 12,000 مدني وإحالتهم إلى المحاكم العسكرية. وهذا رقم يفوق إجمالي عدد المدنيين الذين حوكموا عسكرياً طيلة عهد مبارك الذي دام 30 عاماً، حيث كانت المحاكمات العسكرية آنذاك تقتصر على بعض القضايا الكبرى فقط.
ووصف مدير منظمة هيومن رايتس ووتش في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جو ستورك في سبتمبر الماضي هذا العدد بأنه «مذهل ويبين كيفية تقويض حكام مصر العسكريين لعملية الانتقال إلى الديمقراطية». كما أدانت جماعات حقوق الإنسان المحاكمات العسكرية، وأطلقت حملة مناهضة لها تحت عنوان «لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين».
اعتقال النشطاء
إن من بين المعتقلين حديثاً الناشط علاء عبد الفتاح، الذي تعرض للاعتقال في 30 أكتوبر بسبب رفضه الخضوع للاستجواب من طرف النيابة العسكرية. ولا يزال عبد الفتاح قيد الاعتقال على الرغم من الحملات المتعددة الداعية للإفراج عنه وإضراب والدته، الناشطة البارزة ليلى سويف، عن الطعام. وقد استمر عبد الفتاح في كتابة عدد من المقالات في مدونته من داخل السجن، من بينها مقال يصف فيه التعذيب الذي لا تزال تستخدمه الشرطة.
عنف مفرط
وتتزامن الاشتباكات المستمرة في ميدان التحرير مع عدد من الحوادث المماثلة في مختلف أرجاء البلاد منذ سقوط نظام مبارك. ففي 9 أكتوبر، تم تنظيم تظاهرة قبطية بالأساس خارج مبنى التلفزيون الحكومي في ماسبيرو، انتهت بمقتل ما لا يقل عن 28 شخصاً وجرح 500 آخرين. وقد رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة السماح بإجراء تحقيق مستقل في هذه الواقعة.
كما تم اعتقال ما لا يقل عن 30 مدنياً، من بينهم عبد الفتاح، بتهم تتعلق بأحداث ماسبيرو. وفي 10 نوفمبر، أظهر مقطع فيديو على موقع «يوتيوب» مركبات تابعة للجيش تدهس المتظاهرين، ورجال شرطة يطلقون الذخيرة الحية على الحشود.
استخدام التعذيب
تستخدم الشرطة وقوات الأمن المصرية التعذيب بشكل منتظم منذ عقود. وقد ذكر تقرير لمنظمة العفو الدولية أن «التعذيب لا يزال منتشراً في مراكز الشرطة والسجون ومراكز الاعتقال المصرية» حتى بعد الثورة، ولا يزال يرتكب «مع الإفلات شبه الدائم من العقاب».
وليس معلوماً إن كان قد تم إجراء أية تحقيقات مستقلة في الموضوع، ولكن بعض التقارير تفيد أن حوادث التعذيب أدت إلى عدد من حالات الوفاة في المعتقل. فعلى سبيل المثال، في 27 أكتوبر الماضي، لقي الشاب عصام عطا البالغ من العمر 23 عاماً مصرعه في أحد مستشفيات القاهرة بعد أن تعرض لتعذيب شديد ومتكرر. وقد وجد كثيرون أوجه تشابه بين حالته وحالة خالد سعيد الذي لقي مصرعه في الثامنة والعشرين من عمره إثر تعرضه للتعذيب على أيدي عناصر الشرطة في يونيو 2010 ليصبح بعدها رمزاً للثورة المصرية.
المجتمع المدني
في خضم ذلك، يشعر المجتمع المدني المصري على نحو متزايد بأنه يتعرض لهجوم من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة. ففي 14 سبتمبر، صدر إعلان يزعم بأن 30 منظمة غير حكومية لا تتمتع بالشرعية بسبب تلقيها تمويلاً أجنبياً وعدم قيامها بالتسجيل لدى وزارة التضامن الاجتماعي. وتضم القائمة العديد من المنظمات العريقة والمحترمة.
ورداً على هذا الإعلان، قام ست من هذه المنظمات الحقوقية بإصدار بيان في 10 نوفمبر قالت فيه إنها ترفض إضفاء الشرعية على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يشن «حملة منهجية ضد أولئك الذين يدافعون عن الديمقراطية».
تمييز وتهميش
كذلك، يشكل استمرار التمييز ضد الأقليات الدينية مصدراً آخر للقلق. فقد شارك المصريون من جميع الأديان في الثورة ضد الدكتاتورية، ولكن الأقليات ظلت تعاني من التمييز من جانب السلطات ولا تحصل على حماية كافية ضد التطرف الطائفي. كما تعرضت الكنائس القبطية للهجوم في مناسبات مختلفة.
وتقول منظمة العفو الدولية إن التمييز «على ما يبدو ازداد سوءاً منذ تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة».
كما لا تزال المرأة المصرية تتعرض للتمييز على نطاق واسع، بالإضافة إلى نقص التمثيل في الحياة السياسية والعامة. فضلاً عن أن التحرش الجنسي أمر شائع في الشوارع. وقد ذكرت نساء محتجات تعرضن للاعتقال يوم 9 مارس أنهن تعرضن قسراً لما يسمى بـ «اختبارات العذرية» أثناء احتجازهن.