بلغ مأزق تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ذروة أبعاده ودلالاته الجديّة، حكومياً وسياسياً، مع إعلان رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، وللمرة الأولى، اعتزامه الاستقالة في حال إسقاط مجلس الوزراء بند التمويل الذي أدرِج على جدول أعمال جلسة الأربعاء المقبل، والتي ستشكل مفترق طرق مفصلي، ليس للتماسك الحكومي بل لنوعية العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية ككل، علماً أن لبنان تبلّغ من رئيس المحكمة الدولية دايفيد باراغوانث أن آخر مهلة لتسديد حصة لبنان تنتهي مع نهاية شهر ديسمبر المقبل.

وفي الانتظار، وفي حين لا يختلف اثنان في المعارضة أو الأكثرية على أن التمويل سيسقط في مجلس الوزراء، فإن الاحتمال الذي بات الأكثر ترجيحاً هو حكماً الاستقالة التي لن تعفي لبنان من العقوبات، إن قُرّرت، بل ستؤدي وظيفة واحدة هي النأي بميقاتي وفريقه عن تحمّل مسؤولية ما سيحصل والتأكيد على أنه لم ينكث بوعده في تمويل المحكمة، وهذه هي حال كل الفريق الوسطي في الحكومة، ومن ضمنه النائب وليد جنبلاط.

وبينما يسير القطار الحكومي نحو اصطدام محتوم بالقطار الدولي السائر في الخط المعاكس، تزدهر سيناريوهات المخارج الممكنة للتملّص من التمويل، وتلك التي تتحدث عن مخارج لـ«تمزيقه». ولعل الأبرز من بينها ذلك الذي يحكي عن إمكانية استخدام الثلث الوزاري المعطّل عبر اعتكاف أكثر من عشرة وزراء، أغلبيتهم المطلقة من تكتل «التغيير والإصلاح»، مختبئين وراء جملة حجج لها علاقة بالأداء الحكومي العام، ما يؤدّي حكماً إلى تعطيل صالحكومة من دون استقالتها ويجنّب رئيسها اللوم الدولي المباشر.

المجلس النيابي

وثمّة خيار جدّي يتردّد صداه. فإذا أسقطت الحكومة التمويل، يمكن للمجلس النيابي أن يحييه عبر اقتراح قانون. ووفق معلومات «البيان»، يكون السيناريو عندها على الشكل التالي: تحقق الأكثرية مرادها ولا تموّل «محكمة غير شرعية» في الحكومة، في عملية ديمقراطية مشهودة. وانطلاقاً من الحسابات الديمقراطية نفسها، قد يخرج أي من وزراء طرابلس و«جبهة النضال الوطني» الذي يرأسه النائب وليد جنبلاط باقتراح قانون لتمويل المحكمة عبر المجلس النيابي. عندها، وبخلاف ما حصل في مجلس الوزراء، ستكون الأغلبية النيابية مع تمرير المشروع، عبر تضامن 14 آذار وميقاتي وجنبلاط. في المقابل، سيكون ميقاتي قد حقّق ما وعد به وصوّت لمصلحة تمويل المحكمة، بغضّ النظر عن المؤسّسة التي تمّ من خلالها هذا التمويل.

معاني الاستقالة

وتعني استقالة ميقاتي أن يطلب رئيس الجمهورية ميشال سليمان منه تصريف الأعمال ريثما تتشكل حكومة جديدة، على أن يدعو إلى استشارات نيابية. وفي الاستشارات الجديدة، ثمة كتلة وسطية لا لبس فيها تجمع ميقاتي والوزيرين محمد الصفدي وأحمد كرامي بـ«جبهة النضال الوطني» بقيادة جنبلاط. وبحسب المعطيات، فإن هذه الكتلة ستكون حكماً من يقرّر إسم رئيس الحكومة الجديد. في المقابل، فإن الأكثرية ستضمّ 58 نائباً من أصل 128، وهي لن تكون قادرة على إيصال مرشحها إلى السرايا، ما يعني أن مرشح 14 آذار ستكون له الأفضلية.

تسمية ميقاتي

أما إذا قرّرت الأكثرية، ومعها الوسطيون، تسمية ميقاتي مرة ثانية لتشكيل الحكومة، فإنه سيكون مرة جديدة، بالأرقام، قادراً على نيل الأكثرية المطلوبة في الاستشارات، حيث كان نال في الاستشارات الأخيرة 68 صوتاً من أصل 128. وبحسب مصادر، فإن تشكيل الحكومة دونه عقبات كثيرة، أولها أن لا مبرّر لقبوله التسمية من نواب الأكثرية الذين يعارضون المحكمة، فيما كان استقال احتجاجاً على موقفهم منها. وحتى لو قبل تشكيل الحكومة، فإن مرحلة التأليف قد تبدأ ولا تنتهي، فيما مرحلة تصريف الأعمال لن تكون قادرة على الصمود في وجه الاستحقاقات التي تواجهها والتي تحتاج إلى قرارات حاسمة، وأبرزها موضوع التمويل.