التباين والانقسام باتا هما عنوان المشهد السياسي بمصر. فما بين آلاف الحناجر التي تعلو في ميدان التحرير مطالبة بتسليم السلطة للمدنيين وتشكيل حكومة إنقاذ وطني من داخل الميدان برئاسة المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية محمد البرادعي، تأتي أصوات أخرى في ميدان العباسية تنادي ببقاء العسكري ودعم الحكومة المكلفة برئاسة كمال الجنزوري، ليسفر ذلك التشتت عن ثلاث حكومات، باضافة حكومة تسيير الاعمال عصام شرف، في مفارقة ومشهد دراماتيكي، وكأن الجميع أصرّ على السير في خطوط متوازية رافضين أي نقطة التقاء.
مصير محتوم
ولعل الحكومة الأولى القائمة حالياً، وتدير البلاد برئاسة عصام شرف لحين تشكيل الحكومة الجديدة، محتومة المصير، حيث تم قبول استقالتها في أعقاب أحداث 19 نوفمبر بعد أن تعالت أصوات المحتجين المطالبين باستقالتها نتيجة استخدام العنف المفرط من قبل قوات الأمن لفض اعتصام مصابي الثورة عقب جمعة «المطلب الوحيد»، بعد أن اثارت تلك الاحداث حفيظة المصريين وهم يشاهدون إلقاء قوات أمن لجثث المعتصمين بصناديق القمامة بعد قتلهم. إلا أنه أصبح مؤكدًا أن المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية سوف تتم تحت إدارة شرف.
ومن المعروف أن حكومته تعرضت الى هجوم شديد طوال الشهور السابقة للموجة الثانية للثورة المصرية، وصل بالبعض إلى اتهامها بأنها «ديكور»، وأن الوزراء كانوا مجرد «سكرتارية» للمجلس العسكري.
وعموما، اختلف المراقبون حول حكومة شرف. فقد رأى البعض أن حكومة شرف، والتي خرجت من ميدان التحرير، كانت بمثابة كبش الفداء الذي ضحى به المجلس العسكري للعبور من مأزق أحداث التحرير الأخيرة وأخطائه السابقة، فيما رأى البعض الآخر أنها تحوّلت عن المسار الثوري وخضعت لمطالب المجلس، وأنها لم تحقق المرجو منها من مرور بالمرحلة الانتقالية والمأزق الاقتصادي بنجاح.
حكومة رسمية
أما ثاني الحكومات على الساحة، فهي حكومة الجنزوري، والتي جاءت بتكليف من القائد العام ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير حسين طنطاوي. وقد اختار الجنزوري مبنى وزارة الدفاع ليعلن عن قبوله تكليف الوزارة، وعن منح المجلس العسكري له صلاحيات كاملة بمثابة رئيس الدولة. وبينما يقوم حالياً بتشكيل حكومته واختيار وزارته بمعهد التخطيط القومي الكائن بمنطقة شرق القاهرة، تحفظ «شباب الثورة» على توليه دفة شؤون البلاد. وفور الإعلان عن تكليف الجنزوري بالحكومة مساء الخميس الماضي، وقبل مليونيات الجمعة المؤيدة والمعارضة، انقسم المصريون حوله. فالمؤيدون للمجلس العسكري رأوا أنه اختيار صائب، حيث انه سبق واقصي في عهد الرئيس السابق حسني مبارك خوفًا من شعبيته، وهو من عرف بـ«وزير الفقراء» وله أفكاره ومشروعاته التي انحازت إلى البسطاء. كما رفضه المتظاهرون بالتحرير استناداً إلى أنه خرج من عباءة النظام السابق.
حكومة الميدان
وجاءت الحكومة الثالثة من رحم ميدان التحرير، وهي حكومة بديلة لحكومة الجنزوري برئاسة المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية محمد البرادعي. اختارها ثوار التحرير ردًا على ما اعتبروه تجاهل المجلس العسكري لمطالبهم. وتلك الحكومة مازالت تحت التأسيس على الرغم من طرح العديد من الأسماء وإعلان القوى الثورية استقرارها على البرادعي رئيسًا والمستشار حسام عيسى والمهندس أبو العلا ماضي نائبين. وهناك أسماء ما زالت مطروحة مثل عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين الصباحي المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية. وبذلك، تبقى إدارة شؤون مصر معلقة بين ثلاث حكومات، في مفارقة تعد الأولى من نوعها تعكس تجذر الخلافات في المشهد السياسي، في وقت رأى بعض المحللين في هذه الظاهرة دليلا على الديمقراطية.