يتساءل العديد من الجزائريين والعرب عن السبب الذي يكمن في تخلف الدولة الجزائرية عن نصرة شعوب دول الربيع العربي، وهي التي كانت الارض التي احتضنت كل المعارضين العرب وغير العرب على مدى عقود. الجواب بخصوص الموقف من ثورة الياسمين في تونس تأجل الى حين انتفاضة المصريين، حيث كان موقف الجزائر مشابها بدعوى الحياد وعدم التدخل، لكنه في العمق كان موقفا مساندا لنظام حسني مبارك من باب ان ما يجري يهدد استقرار مصر ويهدد بالتالي استقرار المنطقة برمتها.

ورغم ان موقف مساندة الانظمة ضد شعوبها غريب عن تقاليد الجزائر، فانه في حالتي تونس ومصر جاء متسقا مع مواقف القوى الكبرى في العالم. فالجميع فاجأه ما حدث وتأخر عن اتخاذ موقف مساند للحركات الشعبية. فحتى فرنسا والولايات المتحدة تأخرتا عن اتخاذ موقف، لكن لما تحرك الليبيون من بنغازي والبيضاء وطبرق واجدابيا وطرابلس والزنتان والزاوية مطالبين برحيل نظام معمر القذافي، تأخرت الجزائر عن الجميع ودعت الى حوار في وقت كان القذافي يرد على المتظاهرين بسلاح الطيران والمدفعية الثقيلة ويستخدم القذائف المضادة للدروع، بينما وقف معظم العرب مع مطالب الشعب ضد النظام.

دعم الأنظمة

كما انه حين اندلعت المواجهات بين الشعب والسلطات في تونس منتصف ديسمبر العام 2010، كانت الحكومة الجزائرية تستعد لاحتضان الدورة 18 للجنة المشتركة العليا بين البلدين. وجرت الدورة رغم تفاقم الاحداث في موعدها في 27 من الشهر برئاسة رئيس الوزراء الجزائري احمد اويحيى الجزائري ونظيره التونسي محمد الغنوشي. واستقبل الغنوشي بحفاوة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحمل له رسالة تضامن الى الرئيس زين العابدين بن علي. وتوالى تذبذب موقف الجزائر سواء في الجامعة العربية او في المواقف الخاصة المباشرة، وهو التذبذب ذاته الذي انتقل الى الموقف بخصوص الوضع في سوريا. فاحيانا تصدر مواقف تدعو الى وقف استعمال العنف ضد المتظاهرين واحيانا اخرى تبدي ما يشبه تفهما لردود فعل الحكومات تجاه الحركات الشعبية. لكن الاكيد ان الجزائر ستتعامل بايجابية مع اي نظام عربي ان كانت الانظمة القائمة او التي تفرزها الثورات.

تحول كبير

في مارس الماضي، استقبل بوتفليقة رئيس الحكومة المؤقت الذي يمثل التغيير في تونس الباجي قايد السبسي استقبال الرؤساء وحظي بحفاوة بالغة. ومثله حظي وزير خارجية مصر الجديد محمد كامل عمرو قبل اسبوعين. وتجري الاستعدادات حاليا لترتيب زيارة لوفد من المجلس الانتقالي الليبي لاسيما بعد لقاء بوتفليقة برئيس المجلس الانتقالي المستشار مصطفى عبد الجليل في الدوحة على هامش قمة الغاز قبل ايام. كما سيزور الجزائر منتصف الشهر المقبل رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون على رأس وفد كبير من المعارضة لاتمام التعامل المباشر بين الجانبين.

سياسة التريث

وظهر التحول الكبير للموقف الجزائري في المكالمات الهاتفية التي اجراها بوتفليقة في الايام الماضية مع الرئيس بشار الاسد حيث دعاه لقبول ورقة العمل العربية كما هي وبلا تغيير لتفادي تدويل الازمة. ولقد تأنت الجزائر كثيرا في اتخاذ الموقف من الربيع العربي لدوافع داخلية وخارجية كلفها انتقادات خارجية وداخلية تحولت مع الايام الى ضغوط رهيبة على النظام.