يشكل يوم 28 من نوفمبر الجاري تاريخا فاصلا بين عهدين في مصر. الأول كان فيه الحزب الوطني المنحل عنوانا أوحد للحياة السياسية، ما خلا ثمة «ديكورات حزبية» لاستكمال المشهد. أما الثاني، فهو عهد الثورة التي أنهت نظاما ظل يحكم المصريين لثلاثة عقود. ويرى البعض أن الانتخابات المقبلة تعد أولى خطوات خريطة الطريق لمصر الثورة خلال الفترة المقبلة.

وأهمية الانتخابات البرلمانية لا تكمن أنها أول انتخابات في ظل غياب الرئيس السابق حسني مبارك ونظامه، وإنما لأنه، ولأول مرة، يدرك المصريون أن صوتهم بات صانع المشهد السياسي. فمنذ هذا التاريخ، ستختفي من قاموس مجلس الشعب كلمة «موافقة» التي تعلن قبل رفع الأيدي. وستنهي الانتخابات عقوداً من حكم الحزب الواحد، وستؤدي إلى إنشاء برلمان يقود صياغة دستور جديد في غضون عام واحد، وإذا ما تمت الموافقة عليه في استفتاء لاحق، سيشكل هذا الدستور مستقبل مصر.

 نظام معقد

غير أن الطريق أمام هذا الاستحقاق ليس معبدا بالورود، كما يظن البعض، بل تقف أمامه تحديات كثيرة، أبرزها أن النظام الانتخابي الجديد المختلط بين القائمة والفردي والذي يصفه البعض بـ«المعقد»، لا يعيه الكثير من المصريين، لا سيما أن نسبة الأمية في مصر تقدر بحوالي 20 في المئة، الأمر الذي يزيد من التحديات.

ويقول رئيس المنظمة غير الحكومية المحلية المسماة منتدى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان سعيد عبدالحافظ لشبكة الأنباء الإنسانية «إيرين»: «هذا النظام الانتخابي مربك حقاً، ولأن الناس لا يفهمونه، فإن الاحتمال الأغلب هو أنهم سيصوتون لنفس الأشخاص أو القوى السياسية التي كانوا يصوتون لها في الماضي.. وهذا يعني أن البرلمان المقبل لن يعكس الواقع السياسي الجديد الذي خلقته الثورة». ويحذر المحللون من أن هذا قد يؤدي إلى عودة المحتجين إلى الشوارع وإطالة أمد عدم الاستقرار.

ويتبنى قانون الانتخابات نظاماً مختلطاً؛ إذ سيتم انتخاب المرشحين في ثلث الدوائر الانتخابية بالنظام الفردي، في حين أن المرشحين في ثلثي الدوائر الانتخابية سينتخبون عن طريق القائمة النسبية. وقد أُعيد تحديد الدوائر الانتخابية لتتناسب مع هذا النظام الجديد.

وستخصص ثلث المقاعد للمرشحين المستقلين، وذلك لمنح المرشحين غير المنتمين إلى أحزاب فرصة متكافئة، إلا أن البعض يخشى من أن هذا النظام سيصب في مصلحة أعضاء سابقين في الحزب الوطني الذي كان يرأسه مبارك، والذين سيخوضون الانتخابات كمستقلين. ولكن ستتمكن الأحزاب السياسية من الدفع بمرشحين مستقلين ضدهم.

ونظراً للمخاوف الأمنية وكبر عدد الناخبين، قرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تولى السلطة بعد تنحي مبارك، إجراء الانتخابات على ثلاث مراحل تتخللها فترات توقف لمدة أسبوعين. ومن المتوقع اجراء انتخابات رئاسية العام 2013.

 صعوبة التمييز

من جهته، يرى رئيس الحزب الدستوري الاجتماعي الحر ممدوح قناوي، الذي سيخوض الانتخابات بـ56 مرشحاً، أن الناخبين سيجدون صعوبة في التمييز بين المرشحين المستقلين وأولئك المنتمين إلى أحزاب سياسية، وبين المرشحين لمجلس الشعب من جهة والمرشحين لعضوية مجلس الشورى من جهة أخرى. ويقوم مجلس الشورى بمراجعة مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة قبل إحالتها إلى مجلس الشعب لتصبح قوانين. ويؤكد قناوي أن الأحزاب اليسارية ليست ذات شعبية إذ يقول «رغم انتشار الفقر، فإن الأحزاب اليسارية ليست لها شعبية كبيرة». ويضيف: «أجد صعوبة حقيقية في فهم ذلك. البلدان الفقيرة بحاجة ماسة إلى الأحزاب السياسية التي تولي اهتماماً بتحقيق العدالة الاجتماعية، ولكن الوضع في مصر مختلف».

 تقسيمات حزبية

ويمكن تقسيم الأحزاب السياسية في مصر إلى أربع فئات أساسية: إسلامية ويسارية وليبرالية، بالإضافة إلى أحزاب شباب الثورة. كما أن المرشحين الذين سيخوضون الانتخابات كمستقلين لا يقلون أهمية عن الأحزاب.

 الأحزاب الإسلامية

يرى مراقبون أنه إذا كانت هناك فئة استفادت أكثر من غيرها من الثورة المصرية، فهي فئة الإسلاميين، الذين تعرضوا للحظر والسجن لأعوام عديدة تحت حكم مبارك. وتم الإفراج عن عدد كبير منهم كانوا معتقلين في السجون، ومنحوا الحق في التجمع، وظهروا على شاشة التلفزيون وشكلوا أحزاباً سياسية تعبر عنهم. وتقسم الأحزاب الإسلامية بدورها إلى جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين.

 الإخوان المسلمون

نشأت جماعة الإخوان المسلمين كجمعية خيرية تعليمية العام 1927، ولكنها شاركت في وقت لاحق في العملية السياسية. وتعرضت لحملات قمع متكررة من كل رؤساء مصر، بدءاً من جمال عبد الناصر، الذي تعاون معها في البداية؛ ولكنه انقلب عليها فيما بعد وسجن وعذب قادتها، وصولاً إلى مبارك، الذي سجن تقريباً جميع قادة الجماعة وحظر أنشطتها.

وفي فترة ما بعد الثورة، أنشأت الجماعة حزبها الخاص المسمى «الحرية والعدالة» الذي يرأسه محمد مرسي، وهو يضطلع بدور تنفيذي منذ فترة طويلة في الجماعة، ولكنه أقل شهرة من زملائه. ويساعده مشاهير قادة الجماعة على رأسهم عصام العريان، الناطق السابق باسم الجماعة.

وأعلن الحزب في البداية أنه لن ينافس سوى على 30 في المئة من مقاعد البرلمان، ولكنه رفع النسبة في وقت لاحق إلى 40 في المئة. والآن، يقول إنه سينافس على 50 في المئة. ويقول الحزب إنه مدني يستند إلى مرجعية إسلامية، مؤكدا ان مرجعيته ستحمي النشاط الاقتصادي من الاستغلال والاحتكار.

 الأحزاب السلفية

لم يسمع الكثير من المصريين عن السلفيين إلا بعد الثورة، لأن النظام السابق بذل قصارى جهده لمنع صعودهم السياسي من خلال الزج بهم في السجون. ويقولون إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى الديمقراطية الغربية. ويعتبر أحد زعماء السلفيين في الإسكندرية عبدالمنعم الشحات أن «الأقليات عاشت أكرم حياة عرفتها عندما كان الإسلام قوياً». وتوجد سبعة أحزاب سلفية في مصر، أحدثها حزب «البناء والتنمية»، الذي أسسته الجماعة الإسلامية، و«الإصلاح»، و«النور»، و«العدل»، و«الأصالة»، و«الفضيلة».

 الأحزاب اليسارية

تكمن مشكلة الأحزاب الليبرالية في مصر في أن معظمها كان موجوداً تحت حكم مبارك، ولكنها لم تفعل ما يكفي لتغيير الأمور. لقد فقد المصريون الثقة في جميع الأحزاب التي شاهدت مبارك يحكم بقبضة من حديد لمدة 30 عاماً ولم تفعل شيئاً للتصدي له.

وتم تأسيس أحزاب مثل «التجمع» و«الناصري» و«الدستوري الاجتماعي الحر» و«الكرامة» وحزب «مصر العربي الاشتراكي» منذ أعوام عديدة، ولكنها كانت تعاني من مشاكل في التواصل مع الناخبين أو تنظيم مسيرات احتجاجية في الشوارع العامة قبل 25 يناير بسبب القيود التي كانت مفروضة على أنشطتها.

الأحزاب الليبرالية

«الوفد»، أحد أقدم الأحزاب الليبرالية في مصر، وهو الأكثر شعبية بين جميع الأحزاب الليبرالية، بعد أن نافس الحزب الوطني بقيادة مبارك في جميع الانتخابات البرلمانية. وهناك أحزب ليبرالية أخرى مثل «الجبهة الديمقراطية»، و«الغد»، و«مصر الفتاة»، وكلها تشجع الملكية الخاصة وإعطاء دور اقتصادي أكبر للقطاع الخاص، والحد الأدنى من سيطرة الدولة على الأنشطة الاقتصادية. تلقى معظم مؤسسي هذه الأحزاب تعليماً غربياً أو يسعون لمضاهاة الفكر الغربي، وهم يثمنون عالياً النماذج الغربية للديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات ودور المرأة.

وجاء مؤسس حزب الغد أيمن نور ، في المركز الثاني بفارق كبير في الأصوات بعد مبارك في انتخابات رئاسية تنافسية عقدت العام 2005، ولكن الحكم الذي أصدرته إحدى المحاكم في الآونة الأخيرة يحرم نور من حق خوض أي انتخابات على مدى السنوات الخمس المقبلة بسبب تزوير توكيلات ذات صلة بتأسيس حزبه في 2005.

 أحزاب الشباب

شكل الآلاف من الشباب الذين شاركوا في الثورة ضد مبارك نحو 10 أحزاب. وهذه القيادات الشابة مثقفة وطموحة، ولكنها جديدة على الحياة السياسية في مصر. ومع ذلك، فإنهم يؤكدون أنهم يريدون المشاركة في تشكيل المستقبل. ويقول مراقبون إنه ينبغي على الثوار تقديم أنفسهم للمصريين بسرعة. وترى منى مكرم عبيد، وهي محاضرة في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، أن هذه القيادات «بحاجة إلى تعلم درس من جماعة الإخوان.. إذ يذهبون إلى الفقراء في كل مكان ليقولوا لهم انهم يفهمون مشاكلهم وسيعملون على إيجاد حلول لهذه المشاكل». وتشمل الأحزاب الثورية «الجيل الديموقراطي»، و«المصريين الأحرار»، و«مصر الحديثة»، و«مصر الثورة»، و«حراس الثورة»، و«الحرية»، و«الثورة المصرية».

 المستقلون

يبني المستقلون حملاتهم الانتخابية على أساس وعود بحل المشاكل مع المجالس المحلية، وتمهيد الطرق أو إيجاد فرص عمل للناخبين العاطلين عن العمل. كان الكثير من المرشحين المستقلين ينتمون إلى الحزب الوطني المنحل. وهناك دعوات من معظم القوى لحرمان الأعضاء السابقين في حزب مبارك من ممارسة السياسة، على الأقل في المستقبل القريب.

ومن أبرز المرشحين المستقلين الصحافي مصطفى بكري، والمحامي ناصر أمين، والمذيعة التلفزيونية جميلة إسماعيل، والتي شاركت في تأسيس حزب الغد، وأستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي.

الحضور النسائي

باستثناء حزب الوفد الذي رشح 87 امرأة لخوض الانتخابات، لم ترشح معظم الأحزاب الأخرى أكثر من امرأة واحدة على كل قائمة انتخابية بغرض استيفاء الشرط المتعلق بعدم خلو أي قائمة من النساء. ولا تكاد توجد أي نساء بين المرشحين المستقلين. من جهته، يرى رئيس الشبكة العربية لحقوق الإنسان جمال عيد أن الأحزاب السياسية فوتت فرصة جيدة لتشجيع النساء على مزيد من المشاركة السياسية عن طريق وضع بعضهن على قوائمها الانتخابية. وبدوره، يتوقع الناشط في مجال حقوق الإنسان نهاد أبو القمصان أن الحضور النسائي في البرلمان المقبل «سيكون ضئيلا جداً»، مضيفاً أن «هذا أمر محرج حقاً».

 الحضور القبطي

امتنع بعض السياسيين الأقباط عن الترشح. وهذا، وفقاً لبعض القوميين، يعد ضربة قاسية إلى المثل العليا للثورة. ويرى المحامي القبطي نجيب جبرائيل أن «الأقباط يعلمون أن الظروف الحالية لن تفضي إلى أي نجاح انتخابي»، مستدركا: «صحيح أن الأقباط لديهم حقوق متساوية مع أبناء وطنهم من المسلمين، ولكن ليس هناك ما يشجع على الإطلاق»، على حد تعبيره. واشار إلى أن 23 في المئة فقط من الأقباط سيدلون بأصواتهم في الانتخابات المقبلة، علما أن نسبتهم تبلغ 10 في المئة من المجتمع المصري.

 الإشراف القضائي

وسيشارك نحو 9000 قاض في الإشراف على التصويت، بحيث يكون هناك قاض واحد على الأقل في كل مركز من مراكز الاقتراع، وفقاً للمستشار عضو اللجنة العليا للانتخابات يسري عبدالله. ولكن البعض يدعو إلى استبعاد القضاة الذين عينهم مبارك، ومن بينهم النائب العام، قائلين إنهم غير مؤهلين للاشراف على الانتخابات.