كان من المعتاد أن تخلو شوارع العاصمة اليمنية صنعاء من الحركة في الأعياد الدينية، لكنها هذه السنة كانت على غير العادة مكتظة ولكن ليس بالمحتفلين، بل عجّت بالمتظاهرين المطالبين برحيل الرئيس علي عبدالله صالح عن الحكم، وبالباحثين عن الماء والكيروسين، كما غصّت بالشكوى من الأزمات السياسية والاقتصادية التي أفقدت الناس فرحتهم بعيد الاضحى وجعلتهم يتخلون عن كثير من العادات والالتزامات الدينية.
ووسط أزمات متنوعة بسبب تمسّك الرئيس علي عبدالله صالح بالسلطة رغم مضي عشرة شهور على الاحتجاجات الشعبية المطالبة برحيله عن الحكم أمضى اليمنيون أيام عيد الأضحى بالكثير من الشكوى من سوء الأحوال الاقتصادية ومن تأثير الازمة الاقتصادية التي جعلت البلاد على شفى حرب اهلية طاحنة.
ويقول د. علي الصبيحي (طبيب) إن معظم الناس أمضوا أيام العيد في صنعاء، لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف الانتقال الى الريف كما هي عادة غالبية اليمنيين الذين يفضلون قضاء الاجازات الدينية في الارياف مع عائلاتهم.
وفي مقهى يقع في شارع رئيسي في العاصمة، تحدث الصبيحي لـ «البيان» عن فقدان العيد لكل مظاهر الفرحة، قائلاً إن «الناس لا تمتلك نقودا للخروج الى المطاعم.. واغلب الحدائق العامة مغلقة بسبب المواجهات المسلحة، مضيفاً ان الأطفال لا يستطيعون حتى مشاهدة التلفزيون لأن الكهرباء «تظل مقطوعة لاكثر من 20 ساعة في اليوم». ويصف الحال بانه «نوع من الجحيم يعيشه اليمنيون بسبب تردي الاحوال المعيشية فيما العالم مشغول بالجانب السياسي» من الازمة اليمنية.
أما علي الفوري (بائع لحوم في حي حده الراقي جنوبي صنعاء)، فيرد عليك بغضب وهو يتحدث عن انخفاض مبيعات الكباش (خروف العيد) هذا العام، قائلاً: «الناس لا تمتلك فلوساً.. والكهرباء مقطوعة ومن الصعب حتى على المقتدرين حفظ اللحوم بدون ثلاجات»..
وفيما يرفع الفوري الساطور ليقطع اللحم، يرد على احد زبائنه قائلاً: «بعنا نصف ما بعناه العام الماضي من الاغنام.. الناس هذا العام يشترون بالكيلو بدلاً عن شراء كبش».
محاولة للابتهاج
المعارضون لحكم الرئيس اليمني حاولوا اضفاء أجواء من البهجة على العيد في مقر اعتصامهم بالقرب من جامعة صنعاء، حيث أضيئت الأنوار الكهربائية الملونة بواسطة مولد يغذي المخيم بالكهرباء.. فيما تولّى فنانون شعبيون ترديد اغانٍ سياسية مناهضة للحكم وتعد المحتجين بانتصار الثورة.
إلا أن هذه المحاولات لم ترض عبدالسلام عثمان، أحد المحتجين الذي لا يخفي ضجره من طول أمد الاحتجاجات ومن الوضع المعيشي المتردي، إذ يقول إن «المعارضة اخطأت عندما قبلت بالمفاوضات لأنّها مكّنت النظام من اطالة أمد الثورة والمراوغة وارهاق الناس بالمعاناة الاقتصاية والأمنية.
ويضيف عثمان بحنق: «لو أنهم تركوا الشباب يزحفون على القصر الرئاسي لكنا انتصرنا منذ شهور». لكنه يستدرك بالقول: «تفرغنا للثورة وتخلينا عن كل عادات والتزامات العيد.. لا زيارة للاقارب ولا شراء ملابس جديدة للاطفال.. كل هذا مؤجل الى حين انتصار الثورة».
ارتفاع اسطوانات الغاز
وفي حين اختفى الغاز المنزلي ورفع سعر الاسطوانة الواحدة بنسبة 100 في المئة فان مسؤولاً في شركة النفط اليمنية يؤكد لـ«البيان» أن البلاد مقبلة على ازمة وقود خانقة بسبب عدم امتلاك الشركة المبالغ المالية الكافية لشراء الوقود رغم رفع الدعم الحكومي منذ شهور عدة ، ما تسبب بارتفاع سعر وقود السيارات بنسبة تصل الى 150 في المئة».
وأضاف هذا المسؤول لـ «البيان» إن «الشركة لا تمتلك الأموال اللازمة لاستيراد وقود السيارات وشركات النفط العالمية تطالبنا بالدفع مقدما لانها تخشى عدم قدرتنا على السداد. لا نعلم كيف ستحل المشكلة؟!»
وفي انتظار ان تتمكن الامم المتحدة ومعها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج من اجبار الرئيس اليمني على نقل السلطة الى نائبه وفقا للمبادرة الخليجية، يختلط الامل بالخوف من ان تشهد البلاد المزيد من التردي. وفي هذا الصدد، يقول مروان عبدالوهاب (عامل في احد متاجر المواد الغذائية): «خلاص تعبنا نريد ان يوقع الرئيس على المبادرة وان تنتهي هذه الحالة... الناس لم تعتد تشتري شيئاً وخسائرنا فادحة. نخاف ان لا يتم التوقيع وتدخل اليمن في الحرب».
وضع صحي على شفير الهاوية
وفي مقابل هذه الاحتياجات الغذائية الآخذة في التناقص والتي يواجه اليمنيون ارتفاع اسعارها بالابتعاد عنها وبتغيير عاداتهم الشرائية.. بدأت ترتسم معالم كارثة صحية وتعليمية تهدد مستقبل الآلاف، فكثير من المستشفيات والعيادات تعطّل العمل بها لأسباب مختلفة، بينها انقطاع التيار الكهربائي وعدم توفر الأدوية. وحتى المستشفيات والعيادات التي لا تزال تعمل عادة ما تعاني من ازدحام كبير. وفي المقابل، أغلقت عشرات المدارس أبوابها في وجه عشرات الآلاف من الأطفال، ما جعل مستقبل هؤلاء على المحك.
وفي ظل هذه الحالة من مشهد الأزمة الخانفة على أكثر من صعيد، يقول ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في اليمن غيرت كابيلاري إن البلد «أصبح على شفا كارثة إنسانية حقيقية»، مشيراً إلى أن مئات الآلاف من السكان باتوا ينضمون كل يوم إلى الفئات التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي».
وفي وسط تقارير تشير إلى أن طفلاً من بين ثلاثة أطفال في بعض مناطق البلاد «يعاني من سوء التغذية، ما يجعل مستوى سوء التغذية في اليمن واحداً من أعلى المستويات في العالم».. رسم كابيلاري ونظيرته من برنامج الأغذية العالمي لبنى ألمان صورة قاتمة للوضع في اليمن، إذ وصفه بأنه «يعاني من تخلف مزمن».
ومن جانبها، قالت ألمان إن «الأمر في غاية الوضوح.. الوضع الإنساني يشهد تدهوراً سريعاً للغاية». لدورها أفادت وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسقة عمليات الإغاثة الطارئة فاليري آموس أن عوامل مثل النزاع والفقر والجفاف وارتفاع أسعار المواد الغذائية وانهيار خدمات الدولة تسببت في خلق صراع يومي من أجل البقاء بالنسبة لملايين اليمنيين بما في ذلك 100 الف شخص نزحوا بسبب المعارك الأخيرة في الجنوب» ما راى أنه سيستغرق شهوراً عديدة، «وقد نحتاج لسنوات عديدة في بعض القطاعات لإزالة الآثار الهائلة الناجمة عن الشهور الأخيرة».
