لأن يوم أمس لم يكن يشبه بقية الأيام، إذ هو صادف 11 نوفمبر 2011، كان على اللبنانيين أن يصوّتوا بكثافة لمغارة جعيتا قبل الساعة 11 قبل الظهر. ولأنه كان يوماً لبنانياً مشهوداً، فإن غرفة البداية في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عقدت أول جلسة علنية لها قبل ظهر أمس لمناقشة مسألة السير بالمحكمة الغيابية كما ينصّ نظام المحكمة للمتهمين الأربعة المنتمين الى حزب الله بالمشاركة في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ورفاقه.

وعشية جلسة الاستماع الأولى، وربما اليتيمة في هذه المرحلة للمحكمة الدولية في لاهاي، عادت الى الواجهة مسألة التمويل في ضوء تخلّف لبنان حتى الآن عن دفع حصته لعام 2011 وعدم وضوح قراره بالنسبة الى عام 2012، ما يطرح السؤال: هل الأولوية اللبنانية حالياً لبقاء الحكومة أم لتمويل المحكمة؟

 

مراهنات ميقاتي

فالرئيس نجيب ميقاتي الذي يلوّح بالاستقالة اذا لم يتمّ التمويل، يراهن على الوقت وعلى الموقف السوري المتمسّك بالحكومة، وحزب الله حريص على الحكومة، لكن ليس على حساب موقفه المبدئي الرافض للمحكمة. وهنا، تكمن معادلة الخيارات المتناقضة. وفي هذا الإطار، نصح رئيس جبهة «النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط «حزب الله» بالموافقة على تمويل المحكمة، وزاد الغموض الذي يكتنف مواقفه من خلال المواقف التي أطلقها، حتى بات من المنطقي السؤال عن موقع جنبلاط السياسي، هل هو ضمن قوى الأكثرية أو ضمن قوى المعارضة؟

وخلال الأيام الفائتة، استمر تدفق الموفدين الغربيين الى بيروت لرصد مدى تجاوب لبنان مع الأجندة الدولية المتصلة بفرض العقوبات على سوريا وبتمويل المحكمة الدولية. وضمن هذا الإطار، التقى مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون تمويل الإرهاب دانيال غلايزر، أول من أمس، كلاً من رئيس الوزراء نجيب ميقاتي وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعدداً من ممثلي القطاع المصرفي اللبناني.

وأفادت السفارة الأميركية في بيروت، في بيان صادر عنها، أن غلايزر شدّد خلال لقاءاته على حاجة السلطات اللبنانية لحماية القطاع المالي اللبناني من محاولات سورية محتملة لتجنب العقوبات المالية المفروضة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ودعا لبنان أيضاً الى تلبية جميع التزاماته الدولية، بما في ذلك التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان والمساهمة في تمويلها.

 

رصد المبلغ المطلوب

وعلى خط موازٍ، اختتم مساعد مدير قسم شمال إفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية ألكسي لوكور غران ميزون، أول من أمس، زيارة الى بيروت استمرّت ثلاثة أيام، ونقل خلالها الى من التقاهم إلحاح فرنسا على وجوب أن يحترم لبنان تمويل المحكمة الدولية، و«هو التزام للبنان يرصد بحسب النتيجة التي سيؤول إليها التمويل وليس عبر الوسائل، وبالتالي من المهم رصد المبلغ المطلوب للتمويل في الأسابيع المقبلة»، على حدّ تعبيره.

وفي سياق تمرير الوقت المستقطع الذي يحاول كل فريق الاستفادة منه لتحسين شروطه التفاوضية، تجدر الإشارة الى أن الخط الوسطي الذي يمثله كل من الرئيس اللبناني ميشال سليمان والحكومة نجيب ميقاتي يضغط بقوة باتجاه تمرير ملف التمويل من دون قيد أو شرط، وبمعزل عن ملف الموازنة المطروح بدوره كمادة خلافية داخل الحكومة، والى أن الثنائية الشيعية (حزب الله وحركة أمل)، معطوفة على التيار الوطني الحر، ترفض تمرير أي من الملفّين لاعتبارات عدّة، فالأول بات مبدئياً بالنسبة لـ«حزب الله» مع ما يعنيه ذلك من الإصرار على نظرية القبول بالتمويل تساوي الاعتراف الكامل بالمحكمة وقراراتها وكل ما يصدر عنها.