خرج القضاء المصري من الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك كإحدى المؤسسات القليلة التي احتفظت بقدر من المصداقية، لكن عبء توقعات الجماهير ربما اضطره الى أن يأخذ على عاتقه حملًا كبيراً بسرعة شديدة، لـ«كبح» الفساد المستشري في مصر منذ عقود.

ويرى مراقبون أن عدد القضايا المتعلقة بالفساد في مصر والمتورط فيها عدد من رجال النظام السابق يجعل من مهمة القضاة أمراً شاقاً. ويقول الخبير في المركز الدولي للعدالة الانتقالية معتز الفجيري لوكالة «رويترز» إن انشغال القضاء بهذا العدد الكبير من القضايا، ومعظمها حاسمة لمستقبل مصر، دون إجراء اصلاحات مؤسسية، يعني أن القضاة سيجدون أنفسهم في موقف شديد الصعوبة. ويضيف: «أتمنى ألا يدفع القضاء المصري ثمن أخطاء ارتكبتها مؤسسات سياسية أخرى في مصر». ويشير البعض الى أن مصر بحاجة إلى لجنة للحقيقة والمصالحة للتعامل مع مظاهر للظلم وقعت في الماضي. وعلى مدى عقود أفسحت المحكمة الدستورية العليا وغيرها من المحاكم المجال لأحزاب المعارضة والجماعات الحقوقية والنشطاء لتحدي السلطات بشكل مجد. ويقول مراقبون إن مبارك استطاع أن «يكبح إلى حد بعيد» القضاء. ومكن مبارك وأسلافه القطاع التنفيذي من التحكم في ميزانيات القضاء والترقيات والتعيينات وتأديب القضاة، بل وتحديد رواتبهم. ويتذكر قضاة كيف طلب وزير العدل السابق ألا يتم رفع أي دعاوى قضائية ضد مسؤول دون موافقة الوزير شخصياً. وفي حالات أخرى كان القضاة يحالون للجان تأديب لكشفهم عن عمليات تزوير في الانتخابات. بل إن الحكومة المصرية تجاهلت بعض الأحكام القضائية، خاصة في الانتخابات البرلمانية العام الماضي، حين قضت محاكم بعدم قانونية النتائج في بعض الدوائر. ولم يحل البرلمان وظلت النتائج على حالها، مما أذكى الغضب الشعبي من تزوير الانتخابات في الأسابيع السابقة للثورة على حكم مبارك في يناير.

قضاة مستقلون

من جهته، صرح رئيس مجلس الدولة سابقا المستشار محمد حامد الجمال في مقابلة انه يقال دائما إن مصر لديها قضاة مستقلون وليس قضاء مستقلًا، ويتعشم القضاة أن تؤدي الثورة الى اجراء اصلاحات لمنع الجناح التنفيذي للحكومة «مكتب الرئيس» من التدخل في العملية القضائية. ويرى أن «طبيعة القضايا التي اثارتها الثورة لا يوجد شبيه او سابقة لها في تاريخ العدالة المصرية»، مشيراً إلى أن «في كل ثورات العالم هذا لا يتم بالقوانين العادية، وليس معنى ذلك أن تعد قوانين تؤدي إلى الظلم». ويتابع: «هذه الأوضاع الاستثنائية تحتاج الى قوانين شبيهة لها تغير هذه الاوضاع، ومحاكمة المفسدين لا يمكن أن تتم بطريقة سليمة بواسطة المحاكم العادية أو القانون العادي. لابد من مواجهة هذه الأوضاع الاستثنائية بتشريع يتفق مع طبيعة هذه المحاكمات». ويرى نائب رئيس محكمة النقض المستشار زغلول البلشي أن القضاة «يكافحون من اجل استقلال القضاء منذ أكثر من 30 عاماً، وربما يكون الوقت مناسباً الآن».