قبل 20 عاما عقد مؤتمر مدريد على أساس مبادلة الأرض بالسلام، عبر المفاوضات المباشرة. خلال أيامه الثلاثة، جرى التركيز على تحديد إجراءات وأصول التفاوض، التي أشرف الرئيس بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر على هندستها. أما الاتفاق المنشود، بمضمونه ومرجعيته وإطاره وسقفه الزمني، فقد بقي في حدود العموميات. لا إلزام ولا التزام. فكان المولود ما سمّي بـ «عملية السلام». صيغة، كما توحي التسمية، مطاطة ومفتوحة على الزمن وبما يتيح للدولة العبرية ممارسة فنون العلك والخداع والتدويخ، البارعة فيها. خاصة أن هذه الفذلكة جاءت خالية من أي ضمان أو تعهّد أميركي بتثميرها. الرئيس بوش الأب أراد من مدريد كسر الجليد وتسجيل خبطة دبلوماسية في رصيده. وإسرائيل أرادت الجلوس على الطاولة مع أطراف عربية والدخول في عملية تسمح لها بالجرجرة لعقود. بذلك يكون مدريد، في ضوء مسيرته، قد حقق أغراضه وبما يبرر لواشنطن وتل أبيب الاحتفال بنجاحه.

بعد عقدين من الزمن، تراجعت فرص السلام بقدر ما ضاقت رقعة أرضه. المستوطنات باتت مساحتها أضعاف ما كانت عليه في ذلك الوقت. ومع زيادة النهب ازداد الفجور الإسرائيلي، سواء في التعجيز أو العدوانية أو نسف مسلسل الاتفاقيات التي أعقبت مدريد، من أوسلو إلى أنابوليس مروراً بواي ريفر وشرم الشيخ وطابا وخريطة الطريق وغيرها من التفاهمات والوعود التي تبخرت تباعاً ولم يبق لها أثر. وكله حصل تحت المظلة الأميركية الواقية التي اعتادت على حماية الدولة العبرية على طول الخط وبصرف النظر عن مدى بشاعة العدوان أو مدى الإجماع الدولي على الإدانة. وشريط الفيتو في مجلس الأمن ينطق بذلك. لقد استخدمته واشنطن 42 مرة من أصل 82 فيتو بين عامي 1946 و2007 لتعطيل صدور قرارات ضدّ إسرائيل عن مجلس الأمن الدولي.

وبلغ هذا المنحى ذروته مع الرئيس الاميركي باراك أوباما، الذي لم يقف عند حدود الاحتضان للدولة العبرية بل تجاوزها ليصل إلى الانصياع للإملاءات الإسرائيلية. وقد تجلّى ذلك في لقاءاته مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو التي أثارت شعوراً بالخجل والاستياء بل الامتعاض، من جانب محللين وإعلاميين وسياسيين في واشنطن. وبالرغم من المآخذ على تراجعاته واصل اوباما هذا النهج الذي تكلل بخطابه المخيب والفاقع في انحيازه لإسرائيل أمام الجمعية العمومية في سبتمبر الأخير، حيث تنكر لكل طروحاته ووعوده بشأن الدولة الفلسطينية؛ مغلباً الحسابات الانتخابية، علماً بأنه لا يحتاج إلى مثل هذا الاندلاق في حضن الأصوات اليهودية التي يصبّ معظمها تقليدياً لصالح المرشح الديمقراطي مثله. ولم يكف ذلك، بل تابعت إدارته مطاردة الجانب الفلسطيني لعرقلة طلب عضويته حتى في منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة. عند التصويت، قبل يومين، وقفت واشنطن كالعادة إلى جانب إسرائيل وعدد ضئيل من دول الصف الثالث؛ مقابل الغالبية الكاسحة لدول العالم. وبعد الفوز بالعضوية، علت أصوات الوعيد والتهديد خاصة في الكونغرس، بضرورة معاقبة المنظمة ووقف المساهمة الأميركية بموازنتها السنوية.

والمعروف أن هناك قانونين منذ أيام الرئيسين بوش الأب وبيل كلينتون يحرمان «أي دعم مالي للأمم المتحدة أو أي من هيئاتها المختصة، في حال منح منظمة التحرير الفلسطينية الموقع نفسه والحق المناط بالدول». لكن في المقابل، من يمتنع عن مثل هذا التسديد لمدة سنتين متتاليتين، يفقد عضويته. ويذكر أن هناك 15 منظمة ووكالة تابعة للأمم المتحدة. ومن المتوقع أن يطرح الطلب الفلسطيني بشأن العضوية كدولة مراقب، على الجمعية العمومية خلال الجاري. ولا شك أن واشنطن ستقف في خانة الضدّ مع إسرائيل.

موقف

وجه وزير الخارجية الاميركي الأسبق جيمس بيكر انتقادات لسلوك الادارة الاميركية تجاه ملف الصراع العربي الاسرائيلي وبخاصة موقفها من الاستيطان. وتساءل بيكر في ندوة بمناسبة ذكرى مؤتمر مدريد: «لا أفهم كيف تعتبر الولايات المتحدة المستوطنات غير شرعية ثم تمارس الفيتو» بقرار حول المستوطنات (في اشارة الى الفيتو المستخدم في فبراير الماضي). واعتبر ان هذا الموقف تسبب في ضعف الموقف الاميركي وعدم فعاليته.