هل الإخوان المسلمين في صراع مع العشائر الأردنية أم أنهم في صراع مع الحكومة على هذه العشائر؟ سؤال يكاد يحكي جزءا مهما من قصة الحراك المطالب بالإصلاح في الأردن وجزءا من معيقات تحقيق مراده.
لم يسجل على جماعة الإخوان المسلمين أنها احتكت ولو لمرة واحدة مع مصالح العشائر الأردنية. ولا يوجد ما يستدعي هذا الاحتكاك سوى في أوقات معينة أهمها المنافسة في الانتخابات سواء البلدية أو النيابية.
في الحقيقة، قدمت الجماعة بعض البراهين برغبتها في الابتعاد عن هذا الاحتكاك عندما كانت تشعر انه يمكن ظهوره في هذه الساحة الانتخابية أو تلك، في مقابل تقديمها لمرشحين عشائريين من كوادرها في مناسبات عدة. ولكنها أخيراً غيرت من استراتيجيتها بالتوجه بعد واقعة 24 مارس التي حاولت فيها الجماعة المضي في مطالباتها للنظام حد الصدام نحو الأطراف حيث العشائر، وهو ما زاد من سخونة الصراع على العشائر بين الجانبين.
مع ظهور الربيع العربي بدا ان مشهدا جديدا يراد له ان يتشكل بين الطرفين عنوانه: «المنافسة الحادة»، أما مكانه فالشارع.. وهذا ما يجعل البعض يقول ان دعوات الإصلاح في المملكة تحتوي على متناقضات ومعيقات في داخلها ستجعل منها بنفسها معيقا لتحقيق الإصلاح.
محاولات بلا ثمر
إن محاولات الحكومات المتعاقبة بتحويل العشائرية في البلاد إلى شكل حزبي لم تأت أكلها بعد، وهو ما يجعل الحكومة غير مستعجلة لتحقيق مطالب إصلاحية بهوية شاملة. ومن هنا تظهر أهمية المنافسة بين الإسلاميين والعشائر التي يبدو أنها مطلب استراتيجي يتم استنباته بهدوء.
مساع حكومية
ما بدأته الحكومة في المملكة الأردنية منذ عقد تقريباً هو محاولاتها تحويل «العشائرية» وليس العشيرة إلى حالة حزبية، مستعدة لتنافس جماعة الإخوان المسلمين القوى الأبرز في الشارع، وتكون نداً حقيقا لها، بعد تيقنها من انه لا اليساريون ولا القوميون قادرون على تسلم المهمة بنجاح.
ما يجري اليوم في الطريق إلى الإصلاحات الشاملة ان الدولة تعيد انتشار العشائرية في منظومتها السياسية، لضمان بقاء المنافسة بين الإسلاميين والعشائرية قائمة، وهو ما يحقق لها أولا مواصلة تحالفها مع العشائر وأخيراً الإبقاء على «بعبع» الإسلاميين قائما.
من أبرز الشواهد على تحويل العشائرية إلى حزب تأسيس رئيس مجلس النواب الأسبق عبدالهادي المجالي لحزبين: الأول، الحزب الوطني الدستوري، وفشل في تحقيق مصالحه فيه. ثم لم تمض سنوات قليلة حتى أنشاً حزباً آخر هو حزب التيار الوطني وأمينه العام اليوم الوزير الأسبق صالح ارشيدات، إضافة إلى إنشاء شخصيات رسمية أو مقربة من صنع القرار لحزب الجبهة الأردنية الموحدة الذي أمينه العام أمجد هزاع المجالي.
وسبق للحكومة وأن حاولت طوال عقد مضى تأسيس أحزاب، سواء ذات خلفية إسلامية أو وطنية لتتصدى للإسلاميين، ولكنها جميعها باءت بالفشل، بل والفشل الذريع، بحيث لم تتعدّ الحزبية فيها صورتها الخارجية فقط. ولكن في مقابل ذلك فان ما يبدو حتى اليوم واضحا هو عجز الإسلاميين في مناطق العشائر عن إقناع شباب الحراك بالانضمام اليهم خشية من السيطرة عليه او قيادته.
ويكاد الحضور السياسي للحركة الإسلامية في مناطق العشائر يكون ضيقا. ولكن الإسلاميين سجّلوا بعض الاختراقات الفردية التي تناغمت مع العشيرة وليست العشائرية. وهذا هو حال القيادي الإسلامي زكي بني ارشيد الذي رفض فرع عشيرته (بني ارشيد) التخلي عنه، في ظل هجوم رسمي عنيف عليه لم يكد يتوقف.
وهكذا عندما حاول البعض التبرؤ من القيادي الإسلامي زكي بني ارشيد سارعت العشيرة إلى إصدار بيان مضاد تتبرأ فيه من التبرؤ، وتنفي ما نشر في بعض وسائل الإعلام من إعلانها تبرُّأها «لابنها البار» بسبب مواقفه المعارضة لنهج الحكومة.
وحتى اللحظة تنجح الحكومات المتعاقبة بامتياز كما لم ينجح نظام عربي في التخويف من الإسلاميين، حتى كاد الإسلاميون مقيدين بهذه التهمة، بل تحوّل بعضُهم في محطات معينة إلى مدانين مدافعين عن أنفسهم.
القوميون واليساريون يثأرون
المفارقة الأشد غرابة هي أن الحكومة تجد شيئا من الغزل في مهمتها هذه من قبل بعض أفراد التيارين القومي واليساري اللذين يريدان ان يأخذا بثأرهما من الإسلاميين الذين ناصروا الدولة مطلع الخمسينيات من القرن الماضي على حساب القوميين واليساريين. وإضافة إلى فكرة الثأرية تلك، فإن الصراع السياسي يفرض على القوميين واليساريين اللعب على أوراق الحكومات مرحليا من أجل إيجاد مكان لهم في شمس الحياة السياسية الأردنية.
صراع على العشائر
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ثم النظام البعثي في العراق لم يجد القوميون أو اليساريون فسحة لهم، وإن ضاقت، في العمل السياسي الا بدفع من طرفين الاول العشائري والثاني الحكومة.
من هنا يمكن فهم الصراع الهادئ بين الإسلاميين من جهة والحكومة من جهة أخرى على العشائر. وهنا أيضا يظهر إخفاق الإسلاميين لمرات عديدة وفي محطات مهمة في مغازلة العشائرية. وهو ما يعني اليوم ان الدولة تنجح في تحصيل معظم كعكتها العشائرية، ويفشل الإخوان.
