باتت مشاهد الجثث المتناثرة في كل مكان في سرت من المشاهد اليومية التي اعتاد عليها السكان حتى إنهم أصبحوا «يمتهنون» جمعها ودفنها حفاظاً على الصحة والسلامة العامة.

محمد يونس الهمالي (32 عاما) من بين هؤلاء المتطوعين الذي وقف يتأمل 26 قبرا اقيمت على عجل، هي تلال رملية صغيرة وضعت عليها شواهد بلا اسماء في موقع اصيب باضرار جسيمة لشركة لمعالجة المياه في الحي رقم 2 الذي لجأت اليه قوات القذافي قبل هزيمتها.

وهؤلاء هم على الارجح مقاتلون في قوات القذافي قتلوا في المعارك ودفنوا على عجل من قبل رفاق السلاح، كما يقول المتطوعون في فرضية يصعب التحقق من صحتها لكن ما يخشاه محمد، هو الاجراءات التي ستأتي لاحقا. ويقول «يجب نبش هذه الجثث لنقلها الى المقبرة».

ويعيش سائق سيارة الاجرة هذا منذ خمسة ايام من الصباح الى المساء حالة الرعب هذه في مدينة تحولت الى كومة انقاض. ويقول: «اشعر بالحزن لرؤية مدينتي بهذا الشكل. كان على الثوار السيطرة عليها بقدر اقل من الدمار. لكن كانت هناك مقاومة شديدة من قبل رجال القذافي واعتقد ان الثوار أرادوا معاقبة سرت».

ويضيف ان «غالبية اهل سرت كانوا يدعمون القذافي، حتى أقربائي»، موضحاً ان «لا احد كان يعرف ماذا يحدث والهاتف كان معطلا».

ويتابع الرجل: «انني ضد هذه المجازر منذ البداية، سواء من هذا الجانب او ذاك، لكنني كنت الوحيد في هذا الموقف». وأردف قائلاً انه منذ خمسة ايام «نتجول في المدينة ونبحث ونسأل الناس، احيانا يأتون الينا ليقولوا ان لديهم جثثا وعندما تعود العائلات التي فرت الى بيوتها تجد جثثا او قبورا اقيمت على عجل على ارضها»، مؤكداً أنه هو ورفاقه يقومون بجمعها وغسلها ودفنها حسب الاصول.

وتطوع محمد لهذا العمل بعيد عودته الى الحي رقم 2 الذي فر منه عندما تركزت المواجهات فيه وكغيره وجد بيته مدمرا ومنهوبا.

وكانت هناك بين 65 و70 جثة تتحلل على العشب الاخضر قرب الشاطئ، بعضها وثقت ايديها، وقد اصيبت كل منها برصاصة في الرأس او الرقبة.

ويقول محمد انه بعدما شاهد كل ذلك قرر ان عليه «تقديم المساعدة للحي الذي يعيش فيه»، واصفاً مهمته بالمروعة، مشيراً الى جثث منتفخة تنفجر عندما يلمسها واخرى متفسخة الى درجة يسقط عنها اللحم عندما يحاول تحريكها.

ويتوقف محمد عن الكلام فجأة ثم يقول «انها المرة الاولى التي اقوم فيها بمثل هذا العمل. لا استطيع ان اعبر عن مشاعري امام كل هؤلاء القتلى».