ما يزال الفوز الكبير لحركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي وتداعياته حديث أهل السياسة بالتحليل والقراءة المتأنية لهذا الفوز، الذي رأى فيه البعض انقلابا على عهد أسقط الهوية الوطنية والقيم الاجتماعية، لا سيما أن بعض المراقبين يقدر أنصار الحركة بـ10 في المئة من الكتلة التي صوتت لصالحها في تلك الانتخابات.
وحقق حزب حركة النهضة الإسلامي انجازا تاريخيا بالحصول على اغلبية أصوات الناخبين إذا حصد 90 مقعدا من بين 217 من مقاعد المجلس الوطني التأسيسي. وفي حين كان انصار الحزب حاضرين بقوة الا ان عددهم لا يمثل الا نسبة يسيرة من الناخبين لا تتجاوز 10 في المئة في نظر المراقبين.
ويرى مراقبون أن الذين دعموا النهضة بقوة هم أنصار حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، المنحل، ممن يرون في حزب النهضة حزب الحكم مستقبلا والاكثر عقلانية من حيث الخطاب السياسي، حيث لم يحدث ان تعرّض لهم بسوء، عكس أحزاب أخرى من بينها حزب العمال الشيوعي التونسي وحزب الوطنيين الديمقراطيين والاحزاب اليسارية عموما.
ويرى مراقبون أن التجمعيين ينظرون إلى الاسلاميين بحكم قوتهم الميدانية على انهم قادرون على تحقيق المصالحة الوطنية التي لا تستطيع تونس النهوض بدونها خصوصا وان انصار الحزب الحاكم سابقا لم يقفوا في وجه الثورة ولم يدافعوا عن نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، بل شاركوا في الاحتجاجات، ويكفي للتدليل على ذلك ان مفجر الثورة محمد البوعزيزي كان منخرطا في التجمع ولم يكن ضمن صفوف المعارضة.
غير عقائديين
ويقول مراقبون إن التجمعيين، الذين تجاوز عددهم مليوني شخص، لم يكونوا عقائديين بقدر ما كانوا يبحثون عن الامن والاستقرار لهم ولأسرهم، وهم لا يختلفون اليوم عن الامس في بحثهم عن علاقة هادئة مع نظام الحكم. ويرى مراقبون أن التجمعيين يلتقون مع الاسلاميين في الدفاع عن الهوية الوطنية والقيم الاجتماعية الاصيلة المتوارثة، في حين يختلفون مع اليسار الانتهازي والتطرف والمرتبط باليسار الفرنسي، ويرون ان بن علي أساء لمقومات الهوية الوطنية سواء في التعليم او الثقافة او الاعلام عندما تحالف مع اليسار في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي لضرب الحركة الاسلامية.
ويعتقد جزء مهم من التجمعيين ان الحركة اذكى من ان تنقلب على المكاسب التي تحققت طيلة العقود الماضية وخاصة في المجال الاجتماعي، وان اختيار سيدة غير محجبة لرئاسة قائمة النهضة في دائرة تونس 2 أفضل دليل على ان لاخوف على النموذج المجتمعي الحداثي التونسي المرتبط بجذوره والمنفتح على العصر.
التوازن الأسري
ويرى مراقبون أن أطرافا أخرى تضررت من عهد بن علي صوتت لأجل «النهضة» منها أولئك الذين يعتبرون انفسهم ضحايا لـ«حرية المرأة». أحد أولئك يدعى عامر الجلاصي 47 عاما، ويعمل موظفا، ويقول انه «لا يقوم بواجباته الدينية ومع ذلك صوّت للاسلاميين؛ لانه يعتقد انهم الافضل وانهم قد يعيدون التوازن الاجتماعي والاسري في البلاد التي تعتبر الأولى عربيا والرابعة عالميا في نسبة الطلاق، والتي يعاني اكثر من 50 في المئة من بناتها من العنوسة».