تمثل الانتخابات التونسية أول خطوة جدية على طريق «الجمهورية الثانية» وأول تجسيد عملي لأهداف ثورة 14 يناير. والمجلس التأسيسي الذي تم انتخابه هو الثاني في تاريخ تونس.
حيث كان الاول رأى النور في 25 مارس 1956 أي بعد خمسة أيام من إعلان الاستقلال. وكان آخر ملوك تونس محمد الامين باي أقر في 29 ديسمبر 1955 إنشاء مجلس قومي تأسيسي لاعداد دستور تنفيذا لتوصية صدرت عن مؤتمر الحزب الحر الدستوري الجديد بمدينة صفاقس في 15 نوفمبر 1955. وفي 25 مارس 1956، نظمت الانتخابات التي شهدت فوزا ساحقا للجبهة القومية برئاسة الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد والمنظمات المتحالفة معه وهي الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد القومي للمزارعين.
حيث فازت الجبهة بجميع المقاعد بعد ان حازت على 34.98 في المئة من الأصوات مقابل 21 للحزب الشيوعي و16 في المئة للقائمة المستقلة في سوسة. وترشح لتلك الانتخابات 171 منهم 98 عن الجبهة الوطنية في 18 دائرة و69 عن الحزب الشيوعي في 12 دائرة وأربعة مستقلين بسوسة، في حين بلغت نسبة الإقبال 86.82 في المئة.
الجلسة الأولى
وفي 8 ابريل 1956، عقد المجلس التأسيسي جلسته الاولى بحضور الامين باي وبرئاسة اكبر الاعضاء سنا، وهو محمد شنيق، ثم تم انتخاب الحبيب بورقيبة أول رئيس باجماع الحاضرين. وفي اليوم التالي، زعلن عن قرار المجلس بترشيح بورقيبة لرئاسة الحكومة وهو ما تم فعلا بعد موافقة الملك. وفي 14 أبريل، شهدت البلاد إشهار أول حكومة بعد الاستقلال برئاسة بورقيبة الذي احتفظ لنفسه بوزارتي الخارجية والدفاع، أما رئاسة المجلس القومي التأسيسي، فآلت لجلولي فارس. وكان المجلس التأسيسي، الذي عقد جلسته الاولى برعاية الملك، قام في 25 يوليو 1957 بالانقلاب على الملكية الدستورية التي كانت قائمة وابعاد الملك وأسرته عن دائرة الحكم والاستحواذ على أملاك الأسرة الحاكمة، ليتولى بورقيبة رئاسة الجمهورية التونسية.
رئاسية وتشريعية
وفي 8 نوفمبر 1959، نظمت الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتم الاعلان بعدها عن فوز بورقيبة بالرئاسة بنسبة 78.99 في المئة، في حين فازت الجبهة الوطنية بجميع مقاعد مجلس الأمة. وبعد خمسة اعوام بالتمام والكمال، شهدت تونس انتخابات رئاسية وتشريعية فاز المترشح الوحيد للرئاسة الحبيب بورقيبة بنسبة 80.99 في المئة من الاصوات. وحصل الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، بعد تغيير اسمه، على جميع المقاعد النيابية وللمرة الثالثة، فاز بورقيبة في انتخابات 2 نوفمبر 1969 فاز مرشحو حزبه بجميع المقاعد في مجلس الامة. وتكرر المشهد ذاته في انتخابات 3 نوفمبر 1974.
حيث فاز بورقيبة، المترشح الوحيد، بمنصب الرئاسة، فيما حصد مرشحو حزبه جميع المقاعد. وفي 18 مارس 1975 وتنفيذا لمقررات الحزب، قرر مجلس الامة، وبصفة استثنائية، اسناد رئاسة الجمهورية مدى الحياة إلى بورقيبة. وشهدت تونس ثلاثة انتخابات تشريعية اخرى في ظل رئاسة بورقيبة في 4 نوفمبر 1979 و1 نوفمبر 1981 و2 نوفمبر 1986. وآلت جميع المقاعد إلى الحزب الاشتراكي الدستوري، في أسوأ نماذج التزوير لارادة الشعب، خصوصا ان انتخابات 1981 و1986 شهدت مشاركة أحزاب المعارضة الرئيسية في تلك المرحلة.
شهر نوفمبر
وكان بورقيبة اختار أن تكون جميع الانتخابات الرئاسية والتشريعية في شهر نوفمبر. وشاء قدره ان ينزاح عن كرسي الحكم في 7 نوفمبر 1987 من قبل رئيس الوزراء زين العابدين بن علي، في انقلاب لا يختلف كثيرا عن انقلابه على الملك عندما كان رئيسا لحكومته. وفي 2 ابريل 1989، انتظمت الانتخابات التشريعية التي ترشح لها 491 فردا من المستقلين المدعومين من حركة النهضة الاسلامية غير المعترف بها آنذاك ومن حزب الوحدة الشعبية والاتحاد الاشتراكي التقدمي، الحزب الديمقراطي التقدمي حاليا، والحزب الاجتماعي للتقدم إلى جانب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم الذي حصل على جميع المقاعد في البرلمان التونسي الذي اصبح يحمل اسم مجلس النواب.
وفي 20 مارس 1994، فاز بن علي بالرئاسة بنسبة 99.9 في المئة من اصوات الناخبين، في وقت تميز الجانب التشريعي باعتماد نظام يسمح بحصول المعارضة على مقاعد مهما كان عدد الاصوات التي تحصل عليها. وكانت النتيجة حصول التجمع الدستوري الديمقراطي على 144 مقعدا وتوزيع بقية المقاعد إلى 10 لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين واربعة لحركة التجديد وثلاثة للاتحاد الديمقراطي الوحدوي واثنين لحركة الوحدة الشعبية.
تعددية رئاسية
وفي 20 مارس 1999، تعددت اسماء المترشحين لانتخابات الرئاسة وكانت النتيجة فوز بن علي عن التجمع الدستوري الديمقراطي، فيما حل الامين العام لحركة الوحدة الشعبية محمد بالحاج عمر في المرتبة الثانية ومرشح الاتحاد الديمقراطي الوحدوي عبد الرحمن التليلي في المرتبة الثالثة. أما الشق التشريعي، فتميز بحصول «التجمع» على 148 مقعدا، بالتوازي مع منح المعارضة 34 مقعدا، حيث حصلت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين على 13، الاتحاد الديمقراطي الوحدوي وحزب الوحدة الشعبية على سبعة مقاعد لكل منهما، وحزب التجديد على خمسة والحزب الاجتماعي التحرري على مقعدين.
انتخابات وخاتمة
وفي 24 اكتوبر 2004، نظمت الانتخابات الرئاسية والتشريعية بتعددية ظاهرية، لتكون النتيجة فوز بن علي بنسبة 94.49 في المئة، فيما حصل منافسه محمد بوشيحة على 3.78 في المئة، بينما لم يحصل بقية على أكثر من 1 في المئة. وتوزعت نتائج الاستحقاق التشريعي على الحزب الحاكم، الذي احتفظ بالأغلبية بـ152 مقعداً، والباقي للمعارضة التي كانت في الحقيقة من احزاب الموالاة التي صنفها النظام كمعارضة شرعية معترف بها وجاهزة للمشاركة في اعداد الديكور الانتخابي.
وكانت آخر انتخابات نظمت في العهد السابق اقيمت في 25 اكتوبر 2009، وحصل فيها بن علي على 89.62 في المئة من الأصوات، بينما حصل بوشيحة على 5.01 في المئة والبقية توزعت بين ثلاثة وواحد في المئة. وزاد الحزب الحاكم من حصيلته، حيث نال 161 مقعدا، في وقت ذهب 12 مقعدا لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين و12 لحزب الوحدة الشعبية وتسعة للاتحاد الديمقراطي الوحدوي وثمانية للحزب الاجتماعي التحرري وستة لحزب الخضر واثنان لحركة التجديد.
كواليس الداخلية
كانت مقاعد البرلمان تمنح في كواليس وزارة الداخلية و«التجمع» للاحزاب الاكثر موالاة للرئيس ونظامه. و كانت المشاركة في الانتخابات الرئاسية تتم بطلب مباشر من بن علي، حيث يطلب من الامناء العامين للاحزاب المحسوبة على المعارضة بمنافسته شكليا أمام الرأي العام المحلي والدولي، ويمنع المعارضة الحقيقية من المشاركة في أي استحقاق. وفي وقت كان البعض يناشد بن علي للترشح لانتخابات العام 2013، جاءت عاصفة الثورة لتغير المشهد التونسي ولتطيح بالنظام.
