لم يكن فوز حزب النهضة التونسي في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي مفاجئا لدى بعض المراقبين، بقدر ما كان سقوط مناوئيه «الذريع» بمثابة صدمة حقيقية، والذي اعتبره البعض أنه جاء نتيجة ما سموه بالقطيعة بين الأحزاب التقليدية وبين الشارع.

وخلال الـ55 عاما الماضية كانت النخب الفرانكوفونية هي التي تسيطر على الشأن العام، وفي بدايات فترة حكمه اعتمد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي على شخصيات من اليسار لصياغة النمط التعليمي والإعلامي والثقافي الذي كان يسعى لتقويض الحركة الإسلامية، وكانت النتيجة ضرب مقومات الهوية الوطنية ومسخ الوجدان التونسي، وفقدت العاصمة الصلة بمناطق الداخل من قرى وأرياف ومدن ذات خصوصيات تميزها من حيث اللهجات والعادات والتقاليد والتاريخ والاهتمامات والهموم الحياتية.

وعندما انطلقت شرارة الاحتجاجات عجز النظام عن ترميم ما أفسده في السابق. وعقب سقوط النظام ظهرت أحزاب وتيارات سياسية أغلبها لا تعبر عن قاعدة عريضة في البلاد، وبسرعة فائقة استحوذت نخب العاصمة من جديد على الانجاز الذي صنعه فقراء الداخل والعاطلون عن العمل وعملت الأحزاب الراديكالية على «ركوب الموجة» والاستفادة من الحدث. وفي موازاة ذلك، كانت حركة النهضة تعمل على ملء الفراغات التي تركها حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي بتقديم المعونات الاجتماعية وإشباع حاجة الناس إلى الحديث عن الهوية والقيم الأخلاقية والتغلغل في المناطق الريفية والقروية والأحياء الشعبية والمدن الداخلية التي يشعر أهلها بانفصال كامل عن نخب العاصمة التي تتحدث باللغة الفرنسية وتنافح عن الحداثة والليبرالية والديمقراطية، وغيرها من القضايا التي لا يهتم بها الأغلبية الساحقة من التونسيين البسطاء والكادحين الذين تجاهلهم إعلام العهد السابق، وينظر إليهم إعلام الثورة على أن مشكلاتهم سياسية واقتصادية فقط؛ في حين أنها مشاكل اجتماعية وثقافية بالأساس.

ويرى مراقبون أن النجاح الذي حققه حزب النهضة يقف وراءه عدة عوامل، فضلا عن قدرة الإسلاميين العالية على التنظيم والوصول إلى الشارع، منها أنه جاء كرد فعل للتطرف العلماني والترهل اليساري، والانهيار الكامل للمشروع القومي، إضافة إلى فقدان أغلب الأحزاب السياسية والنخب الفكرية بوصلة التواصل مع الاحتياجات الشعبية والتعبير عن همومه ومشاكله، وعدم قدرة أولئك المثقفين والأحزاب على الوصول إلى القرية والبادية، حيث النسب العالية من الفقر والأمية والبطالة، وحيث يشعر أصحاب تلك المناطق بأنه لا شيء يجمعهم مع النخب السياسية والثقافية والإعلامية في العاصمة. بينما استطاع النهضة طرح موضوع الهوية بقوة والتحدث باللغة العربية الفصحى وباللهجة التونسية العامية دون مفردات أجنبية دخيلة، وأن يقدم نفسه كجزء من المجتمع لا وصيا عليه.