المشهد السياسي التونسي مرشح لأن يشهد «حرب تحالفات برلمانية»، في ظل مؤشرات أولية بفوز حركة النهضة الإسلامية المعتدلة بحوالي 50 في المئة بانتخابات المجلس التأسيسي والمزمع إعلان نتائجها النهائية اليوم، من أجل تشكيل أغلبية لتأسيس الجمعية التأسيسية والتي سيناط بها وضع دستور جديد للجمهورية الثانية، عقب ساعات من ارتداء ليبيا حلة القوانين الإسلامية والمعاملات الإسلامية.
ومع أن المؤشرات الأولية تكشف عن تقدم حزب حركة النهضة في نتائج انتخابات المجلس التأسيسي بحوالي 50 في المئة، إلا أن هذه المؤشرات ليست نهائية، كما أنها لم تحدد ما إذا كان الحزب سيستطيع حصد أغلبية «مريحة» من الأصوات تمكنه من الاستغناء عن «التحالفات»، أم أنه سيضطر إلى مد يده إلى أحزاب أخرى من أجل استكمال تلك الأغلبية.
واستبق زعيم حركة النهضة النتائج وأعلن أن «التحالفات بدأت بالفعل»، لافتا إلى أن «الأغلبية إذا فاتته بفارق بسيط، فربما يكون ذلك كافيا لحركته لعقد صفقات مع أحزاب اصغر ومستقلين»، واذا لم يكن الامر على هذا النحو فسيضطر الى الدخول في محادثات مع منافسين اكبر. ومن الشركاء المحتملين حزب التكتل العلماني بقيادة مصطفى بن جعفر وحزب المؤتمر من اجل الجمهورية بزعامة المنصف المرزوقي وهو معارض سابق كان يعيش في المنفى بفرنسا.
في موازاة ذلك، يشدد زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي نجيب الشابي أبرز الأحزاب العلمانية انه «لن يعمل مع النهضة»، مؤكدا أنه يسعى لـ«تحالف علماني من أجل مجابهة النهضة لعدم الحصول على الأغلبية».
وفي خضم هذا «التناحر»، وبينما يرى بعضهم أن النظام الانتخابي الذي أجريت على أسسه عملية الاقتراع يكبح جماح الأحزاب الكبرى من الانفراد بأغلبية، وأنه يلبي حضورا مقنعا للتيارات السياسية الصغيرة وكذلك المستقلين، إلا أن قدرة الإسلاميين على التنظيم والتعاطي مع كافة النظم يبقى عاملا إيجابيا في إمكانية حسمهم للأغلبية.
مد إسلامي
وخارج المشهد التونسي مشهد عام يعضد من موقف حركة النهضة، فبينما تشير المؤشرات أيضا إلى احتمالية فوز جماعة الإخوان المسلمين في مصر في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والمؤمل إجراؤها في الـ28 من نوفمبر، أعلن قادة ليبيا ارتداء حلة القوانين والمعاملات الإسلامية، ووضع كل ما من شأنه مخالفة الشريعة جانبا، ما يعني أن شمال أفريقيا إلى «الحلة الإسلامية»، إذا ما أخذنا في الاعتبار سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة المتاخم للحدود المصرية، والتي تعلن انتمائها لجماعة الإخوان المسلمين فكرا.
في مقابل هذا المد، يبرز قلق أوروبي، ربما كون هذا المد الإسلامي غير متوقع أو لعدم وجود نموذج «مطمئن» باستثناء النموذج التركي ذي الجذور الإسلامية، المتنامي في الشرق الأوسط، وربما خوفا من عدم قدرة الإسلاميين على احترام الدولة المدنية وأسس التداول الديمقراطي السلمي، الأمر الذي ستكشف عنه الأيام المقبلة.
الجمعية التأسيسية
وبالعودة إلى المشهد التونسي، فإن الجمعية التأسيسية التي ستشكل عقب انتخاب المجلس التأسيسي في انتظارها مهمة جسيمة ستعبر عن تونس المستقبل وملامح هذه الدولة، وذلك عبر صياغة دستور «للجمهورية الثانية» أخذا في الاعتبار أن هذه الجمعية تعد ووفقا للقانون «أعلى هيئة تنفيذية ومشرعة في البلاد». ووفقا لمحامين دستوريين وأحزاب كبرى فإن الجمعية التأسيسية منوط بها كذلك تحديد موعد انتخابات جديدة لأية مؤسسات ديمقراطية تقرر الجمعية إنشاءها، ومع أنه لا يوجد سقف زمني واضح فإن 11 من الأحزاب الكبرى حددت عاما لإنجاز هذه المهمة. إضافة إلى ذلك، فإن الجمعية ستوكل إليها مهمة اختيار رئيس مؤقت جديد، والذي يشغله حاليا فؤاد المبزع، الذي كان رئيسا للبرلمان إبان حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. ويتوقف شغل هذا المنصب على نتيجة المفاوضات صاحبة النصيب الأكبر من المقاعد في الجمعية. بدوره سيقوم الرئيس الجديد (المؤقت والذي يعد منصبا شرفيا)، بتعيين حكومة مؤقتة بالتشاور مع الأغلبية البرلمانية.