يمكن تفسير جزء كبير من الاقبال المكثف للتونسيين على صناديق الاقتراع أمس بأمرين مهمين: الحماس للاسلاميين والخوف منهم. فقد استطاعت «حركة النهضة» ان تستقطب مليون منخرط منذ انطلاقها في العمل السياسي العلني وحصولها على الترخيص القانوني.
وأغلب هؤلاء ممن عايشوا مرحلة تأسيسها واطلاق بيانها الاول كتنظيم سياسي العام 1980 وممن عايشوا مراحل الحصار والملاحقة القانونية، إضافة إلى نسبة مهمة من الشباب المتديّن الذي يرى فيها رمزا وعنوانا للهوية الاسلامية في بلد تعرض طيلة 50 عاما إلى محاولات مستمرة لتغريبه.
وفي المقابل، تنظر نسبة كبيرة من التونسيين إلى الحركة على أنها وجه آخر للديكتاتورية.
ويقول رئيس تحرير صحيفة «حقائق» لطفي العماري: «نخاف ممن يستعمل الديمقراطية كسلّم للصعود إلى السلطة وعندما يصعد يسحب معه السُلّم، او من يستعمل الجسر للوصول إلى هدفه وحين يصل إلى هذا الهدف يفجر من ورائه الجسر».
خوف وانقلاب
هذا الخوف تكاد تجمع عليه الاحزاب الليبرالية واليسارية المولودة من رحم الفكر البورقيبي، حيث تروج مقولات بأن الاسلاميين سينقلبون على المسار الديمقراطي في حالة وصولهم للحكم. وفي حين ينتظر الاسلاميون الفوز بأغلبية مريحة في الانتخابات، يرى المراقبون ان قوة «النهضة» تكمن في التنظيم وسلاسة التحرّك والمبادئ العقائدية التي تجمعها بانصارها، وكذلك في قدرتها على كسب اصوات السلفيين وانصار حزب التحرير والشيعة والأئمة والوعاظ و المتدينين عموما والمتأثرين بالخطاب الدعوي عبر وسائل الاعلام، وحتى من الانتهازيين ممن يعتقدون ان «النهضة» ستكون نسخة اخرى من التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا، ليس من حيث الفكر والعقيدة، بل لجهة الهيمنة وسعة الانتشار. ويرى زعيم الحركة راشد الغنوشي ان «الاعوام الخمسة المقبلة لن تخرج بتونس عن دائرة الحكومة الائتلافية»، بما يعني ان الحديث عن انفراد طيف سياسي بالسلطة غير ممكن.
القوة الثانية
القوة الثانية في الساحة السياسية التونسية حاليا هي الحزب الديمقراطي التقدمي بزعامة احمد نجيب الشابي، و هو حزب تأسس بمرجعية اشتراكية في بداية الثمانينات. ولكن ما لبثت أن اندلعت شرارة المواجهة بين «النهضة» و«الديمقراطي التقدمي».
وفي حين كانت «النهضة» تتحدث عن أن «الثورة لم تكتمل» رأى «الديمقراطي التقدمي» ان «على الجميع العمل من اجل حماية ما تحقق»، فانضم الشابي إلى حكومة محمد الغنوشي وزيرا للاصاح، ثم اعلن رفضه التام لحل «التجمع». يحظى الحزب بثقة شريحة كبيرة من المجتمع التونسي كالنساء ورجال الاعمال والمثقفين و جزء مهم من «التجمعيين» إلى جانب انصاره السابقين الذين ينتمون في اغلبهم إلى الطبقة الوسطى.
الاتجاه ذاته
وفي الاتجاه ذاته، تسير أحزاب أخرى جديدة استطاعت تحقيق مكانة مهمة في المشهد السياسي، ومنها الاتحاد الوطني الحر بزعامة سليم الرياحي، و هو حزب ليبيرالي وسطي حداثي يشدد على ان التحالف مع الاسلاميين «غير وارد»، و هو ما يؤكد عليه الامين العام لحزب آفاق تونس ياسين ابراهيم الذي استطاع بلورة موقع مؤثر في الخريطة السياسية رغم حداثة تأسيسه. وسيكون على الديمقراطي التقدمي وآفاق تونس والاتحاد الوطني الحر والعمل التونسي والتكتل من اجل العمل والحريات والقطب الديمقراطي الحداثي تأسيس جبهة وسطية حداثية تقدمية في ظل المجلس الوطني التأسيسي لمواجهة «المارد النهضوي».
قطبان كبيران
اما عن القطبين الكبيرين اللذين سيبرزان بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات فهما اما بزعامة «النهضة»، والذي تؤكد المؤشرات انه سيعقد تحالفات مع المؤتمر من اجل الجمهورية بقيادة منصف المرزوقي و«العمال الشيوعي» التونسي بزعامة حمة الهمامي و بعض القوائم المستقلة، أو قطب آخر مناهض للإسلاميين. وسيضم هذا التكتل على الأغلب أحزاب: الديمقراطي التقدمي وافاق تونس والاتحاد الوطني الحر والعمل التونسي والتكتل من اجل العمل والحريات والقطب الديمقراطي الحداثي، إضافة إلى البورقيبيين والدستوريين الذين سيجدون انفسهم متحالفين مع تيارات سياسية وفكرية قد يكون بعضها معاديا لديكتاتورية الحبيب بورقيبة أو أرث «التجمع» المنحل ولكن عداءه لـ«النهضة» و للاسلاميين اكبر. ومن بين القوى الفاعلة يبرز ائتلاف «23 أكتوبر» الذي يتوقع له ان يستقطب أحزاب الوسط بحسب نتائج الانتخابات رغم تنوع وتعدد التركيبة الحزبية والايديولوجية للائتلاف.
وفي حين يعاني القوميون من بعثيين وناصريين من التشتت، فإن الحركات اليسارية ستجد نفسها منقسمة مرة اخرى بين العمال الشيوعي المتحالف مع الاسلاميين وحركة التجديد الحزب الشيوعي سابقا المتحالف مع الليبراليين. ومن بين 114 حزباً، لن يبقى في الساحة أكثر من 20 حزباً فاعلاً.