تتطابق ساعات اليوم في العاصمة اليمنية مع بقية مدن العالم، لكن تفاصيل المشهد اليومي لحياة الناس باتت مختلفة بالمطلق لا من حيث الظروف الاقتصادية والسياسية ولكن أيضا من حيث محتوياتها ومعاناتها.

وبعد أن قُسّمت صنعاء الى منطقتي نفوذ بين قوات الجيش المؤيدة للرئيس علي عبدالله صالح بقيادة نجله الأكبر العميد أحمد وقوات الأمن التي يديرها ابن اخيه يحيى محمد صالح والتي تسيطر على الجزء الجنوبي والشرقي من المدينة، وتلك القوات التي انشقت عن النظام بقيادة قائد الفرقة الأولى المدرعة اللواء علي محسن الاحمر قائد الفرقة الأولى المدرعة ومعه حليفه القوي زعيم قبيلة حاشد الشيخ صادق الأحمر والتي تسيطر على شمال العاصمة وأجزاء من غربها.. بات التنقل بين شطري المدينة محفوف بالمخاطر.

ولأن الأحياء الشمالية كانت ولاتزال مسرحاً لقتال متقطع وعنيف بين قوات الرئيس المنشقين عنه، فنزحت الغالبية العظمى من سكان تلك الأحياء باتجاه مناطق الجنوب او مناطق الاطراف التي اصبحت اقل خطراً. لكن هؤلاء الذين أصبح الوضع أقل خطراً على حياتهم وحياة ابنائهم يقاسون من تدهور الاوضاع المعيشية ومن انقطاع تام للخدمات الرئيسية كالمياه والكهرباء.

يسكن جميل الصلوي في حي الصافية الفقير، في جنوب شرق صنعاء، بعد ان دفعته المواجهات في حي الحصبة الى ترك المنطقة واغلاق محل تغيير زيوت السيارات الذي كان يمتلكه وهو مصدر دخله الوحيد للانفاق على أسرة مكونة من زوجة واربعة اولاد، يعاني من انقطاع الكهرباء التي لاتأتي سوى ساعة ونصف الساعة في اليوم.

ويقول الصلوي: «نترك مفتاح تشغيل دينمو رفع الماء مفتوحا طوال اليوم حتى أذا أتت الكهرباء ونحن نيام يتمكن الدينمو من رفع كمية من المياه الى سطح البيت بدلا من ان نضطر انا والأولاد الى تعبئة الخزان بالعلب البلاستيكية».

وأبناء جميل مثل غالبية اطفال الاحياء التي كانت مسرحا للقتال المدمر بين القوات المولية والمنشقة عن الحكم لا يذهبون الى المدارس، إما لأن مدارسهم اصبحت ثكنات للمتقاتلين في احياء شمال وغرب العاصمة او لانهم لا يمتلكون وثائق وشهادات تمكنهم من الالتحاق بمدارس جديدة في هذا الحي الذي انتقلوا للعيش فيه لان كل الوثائق قد احترقت بنيران القذائف المدفعية او الصاروخية او تم العبث بها.

شكوى ليتها تعود!

يتذكر جميل كيف أنه وجيرانه كانوا يشكون من تأخر وصول المياه الى مساكنهم، حيث كانت المؤسسة المحلية للمياه تضخ المياه الا المنازل مرة الى مرتين في الاسبوع لكنها ومنذ اربعة شهور خلت توقفت عن ذلك تماماً. ولم يعد امام السكان من خيار سوى شراء خزّان (تنكر) مياه وبمبلغ يصل الى ستة آلاف ريال للسيارة الواحدة بدلا عن 1500 كما قبل تفجّر الزمة السياسية الأمنية، وان يقفوا وابناءهم في طابور طويل عند احد المساجد القريبة لتعبئة الأواني البلاستيكية من خزانات تكفل فاعلو الخير بتعبئتها للفقراء مجاناً.

فقدان مصدر الرزق

وبعد أن فقدت الأسرة مصدر دخلها الوحيد أضحت تنفق من المخزون المادي البسيط الذي كان بحوزتها لكنها بدأت وبعد طول المدة التي استغرقتها الاحتجاجات تقتصد في النفقات اكثر من ذي قبل خوفاً من تجد نفسها غير قادرة على توفير الخبز اليومي والزبادي الذي اصبح الوجبة الرئيسية لها في النهار وعلبة الفاصوليا التي توزع على وجبتي المساء والصباح.

مع حلول الظلام تخلو شوارع العاصمة اليمنية من الحركة وتقتصر على الحركة الضرورية للسيارات اما احياء المواجهات المسلحة فتغلق منذ ما بعد الظهيرة بشكل مطلق حيث يلزم السكان منازلهم، وهم محقون في ذلك فما أن تحل ساعات الليل الاولى حتى تدوي اصوات الانفجارات في مناطق متعددة كما ان أصوات اطلاق الرصاص باتت شيئاً مألوفا في كل حي وشارع ولم يعد بإمكان احد ان يستنكر مثل هذا الفعل سواء كان من جانب المتحاربين او حتى من اصحاب الاعراس التي لم يوقفها الخوف والقتال.

دق ناقوس الخطر

هذه الأوضاع الانسانية البالغة الصعوبة دفعت بعدة منظمات دولية الى دق ناقوس الخطر والاستعداد لمواجهة اوضاع انسانية قد تكون شبيهة بتلك الاوضاع التي تعيشها بدان قريبة من اليمن مثل الصومال التي انهارت فيها مؤسسات الدولة في العام 1991 حيث اكدت منظمة الامم المتحدة للطفولة (اليونسيف) أن «نسبة سوء التغذية وصلت إلى ثلاثة من أصل أربعة أطفال في إحدى المناطق اليمنية. وقالت ان المسح الذي نفذته في صفوف الاطفال بين أن 17 في المئة من الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد بينما يعاني 28 في المئة من سوء التغذية الحاد المتوسط».