صورة العنف الدموي البشع لمقتل العقيد القذافي، كانت مزعجة ومسيئة. ردود الفعل على الطريقة التي انتهى بها، أجمعت على هذا التوصيف. حتى لدى الذين تشفّوا برحيله. وما أكثرهم. فالرجل لم يترك له أصدقاء. وعلى الأرجح، لن يفتقده أحد. لكن في المقابل، وُضعت نهايته، مبدئياً، في خانة البداية الواعدة لليبيا والعبرة الغنية للربيع العربي. فالتحديات كثيرة، والدروس أكثر. لملمة أشلاء البلد وإعادة تركيبه وبناؤه كمجتمع ودولة، عملية شاقة وطويلة ومحفوفة بمخاطر جمّة. من أبرزها، ملفا السلاح والخصومات القبلية المفتوحة على المزيد من التأزم. ففي الساحة أكثر من 12 ميليشيا مسلحة، ذات خلفيات وأجندات متنوعة. بل أحياناً متنافرة. وبعضها وصلته كميات كبيرة من الأسلحة، حسب تقارير أميركية. ويعرب المسؤولون الأميركيون عن خشية أخرى تتعلق بالمصير غير المعروف لكميات كبيرة من الأسلحة الصاروخية، وربما الكيماوية، المفقودة من المستودعات العسكرية الليبية.
ولا يقل عن ذلك بل يتعداه، أن البلد مفرّغ من أي أثر للمؤسسات الرسمية والمدنية. الانصراف لبنائها من الألف إلى الياء وسط هذا الواقع المخرّب، يقرب من المغامرة. من هذا المدخل، بدأ الحديث في واشنطن عن «ضرورة انخراط أميركا» في هذه العملية. لاسيما وأن المجلس الوطني الليبي طلب، على ما تردد في واشنطن، مثل هذا الدور في أكثر من مجال، مثل «توفير التدريب للقوى الأمنية ». ويذكر في هذا السياق أن بعض أعضاء مجلس الشيوخ الذين قاموا بزيارة ليبيا قبل نحو أسبوعين، فاتحوا المجلس بدفع كلفة المساهمة الأميركية في مهمة «الناتو» والبالغة مليار دولار. وأكّد السناتور جون ماكين أن المسؤولين الليبيين وعدوا بالنظر في الطلب وبما يفيد بالتجاوب. كما تعرض واشنطن المساعدة في عملية العبور إلى النظام الجديد، على أساس أن الوضع مزروع بالألغام والتجربة مفقودة. فالمطلوب عملية انتقال إلى صيغة مقبولة من المشاركة والتمثيل، تؤسس لتجربة ديمقراطية. البديل، عودة إلى الحكم المركزي الفردي، أو دخول ليبيا في «ظروف بالغة الصعوبة، حيث تفتقر إلى أدنى حدّ من الروابط التي تشدها إلى بعضها»، كما نسب إلى رئيسة الجامعة الأميركية في القاهرة، قوله. وربما انتهت إلى «دولة فاشلة تغرق في الفوضى» كما يقول أحد الأكاديميين.
بموازاة الحديث عن ولادة ليبيا جديدة، جرى التركيز في طوفان ردود الفعل؛ على تداعيات مقتل القذافي ومدى تأثير هذا الحدث في المناخ العام في المنطقة. وبالتحديد على الساحتين اليمنية والسورية. في هذا الصدد، تجمع القراءات على أن النهاية المأساوية للزعيم الليبي، لا بدّ وأن يكون لها صداها على المستويين الشعبي والرسمي. فالانتفاضات " قد تأخذ شحنة زخم، بسقوط القذافي". في المقابل، قد يعمد النظام إلى المزيد من التشدّد والتعويل على الحلّ الأمني؛ خشية مواجهة مصير مماثل لو تراخت قبضته. لكن في الحالتين، "بعد معمّر باتت نقطة الضوء في آخر النفق أقل شحوباً"، على حدّ وصف هذا الأكاديمي.
التوقعات، بعد نهاية الشق العسكري، تميل إلى التفاؤل. لكن لا أحد في واشنطن يراهن. تجربة العراق، مع اختلافها، ما زالت ماثلة. إذا كان من مراهنة فهي على الآثار، ولو المتواضعة، التي تركها مقتل العقيد.