وضعت الأحداث الأخيرة، مصر من جديد تحت المجهر. ظروفها وملابساتها وضحاياها، استأثرت بفيض من الأضواء والتعليقات في واشنطن. لكن على خطورة هذه المواجهة وتداعياتها السلبية المحتملة، لم تكن لتنال ما أخذته من اهتمام وأثارته من ردود قوية لو لم تحصل في امتداد السياق السياسيالأمني المتعثر؛ الذي حكم مرحلة ما بعد التغيير في مصر والذي بات يهدّد العملية الانتقالية ومسارها المنشود؛ حسب معظم القراءات الأميركية.
وما شهدته القاهرة يوم الأحد الماضي من أعمال عنف خطيرة، هو نتاج مباشر لتذبذب المسيرة وتخبّطها وربما لمحاولة تغيير وجهتها الأصلية أو ما بدا كذلك؛ بصرف النظر عن الخلفية الطائفية للانفجار الأمني الذي وقع.
ومنذ فترة والتساؤلات تطرح بين الحين والآخر، عن الأسباب الكامنة وراء الغموض في سياسات «المجلس العسكري» وتأجيله المفتوح للاستحقاقات الانتخابية، النيابية والرئاسية. كما تسلطت الأضواء على التباطؤ والارتباك في إدارة العملية والتي تبدت مثلاً في اتخاذ قرارات ووضع قوانين، سرعان ما جرى التراجع عنها. الأمر الذي عزّز الاعتقاد بأن الوضع مهدّد بالدخول في دوامة الجمود، إن لم يكن التراجع. خاصة وأن المواجهات ولو المحدودة، عادت تطل برأسها من حين إلى آخر؛ من غير معالجات تكفل عدم تكرارها. الأمر الذي فتح باب الغمز من زاوية «المجلس» واتهامه بالتغاضي عن ممارسات قوى سياسية معينة، ثم جاءت محاصرة السفارة الإسرائيلية ودخولها في القاهرة، لتزيد من الشكوك الناقمة، الإعلامية والسياسية على المجلس وتوجهاته.
نقطة تحول
في ظلّ هذه الأجواء المحتقنة وقعت أحداث القاهرة في ماسبيرو، التي صنّفها البعض بمثابة «نقطة تحوّل في الثورة» المصرية. والمقصود بذلك أن «السلطة العسكرية تبدو وكأنها تحوّلت عن خطها المعلن. فسكوتها على استخدام الذخيرة الحيّة ضد المتظاهرين ودهسهم بالعربات العسكرية»، يتضارب مع وقوفها إلى جانب الانتفاضة في البداية ومع وعدها بنقل السلطة إلى حكم مدني منتخب في مهلة أشهر.
تآكل الثقة
ونال العسكر من الملامة قدر ما حظوا به من ثناء على دورهم في بداية الحراك الذي أدّى إلى التغيير في مصر. إما لأنهم بدوا كمن ترك الأمور تصل إلى الانفجار الأخير «لتشديد قبضتهم على مقاليد الحكم». بذلك يبقون السلطة بيدهم، بحجة معالجة الوضع الأمني أولاً ثم العبور من هناك إلى الانتخابات الرئاسية. إن التلميحات المنسوبة إلى «المجلس العسكري»، حول احتمال تأجيل هذه الأخيرة لمدة سنتين؛ عزّزت الشكوك في نواياه. وإما لأنه دخل في لعبة التوازنات السياسية فوقع في الانحياز أو ما بدا كذلك، بحيث أدّى ذلك إلى «تآكل الثقة به». وفي كلا الحالتين هناك تخوّف من انزلاق البلد إلى حالة من الفوضى، إذا بقي التعامل مع الوضع يجري في حدود إدارة أزمة وليس في حدود قيادة مرحلة انتقالية واضحة المحطات والفواصل الزمنية والخواتم.
رؤية أميركية
الإدارة الأميركية حرصت على تقليص ردودها واكتفت بالتشديد على ضرورة الالتزام بمواعيد العملية الانتقالية. وسائل الإعلام، في تغطيتها وافتتاحياتها، تعاطت مع الموضوع بلغة التخويف من «حكم العسكر» ومن تنامي «الطائفية» في مصر. لكن بعيداً عن حسابات هذا وذاك، يبقى أن هذه الأحداث جاءت كتحصيل حاصل لتراكم الخلل في العملية الانتقالية. خلل يستدعي الاستدراك والتصحيح من دون خسارة وقت. البديل هو انكشاف الساحة، مع كل ما يؤدي إليه ذلك من تلاعب وتدخل في شؤونها.