على أكثر من حبل معيشي وقضائي، لا يزال المشهد اللبناني يتأرجح، بعدما تنحّت أمور السياسة مؤقتاً أمام تقدم الملفات المطلبية، إذ بدأ الأسبوع الجاري بهمّين كبيرين، هما: الإضراب العمالي المقرر تنفيذه اليوم، وتمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
و لم تصل المفاوضات حول تصحيح الأجور حتى الآن الى نتيجة، في ظل التباعد الحاد في الموقف والأرقام بين الاتحاد العمالي من جهة والهيئات الاقتصادية من جهة ثانية.
وما يزيد الأمور تعقيدا أن الحكومة لم تعد قادرة على لعب دور الحكم أو الوسيط، لأن الاتحاد العمالي مستاء من سلة الضرائب التي اقترحها وزير المالية محمد الصفدي في مشروع قانون الموازنة.
نسب متباعدة
وبحسب معلومات حصلت عليها «البيان»، فإن نسب الزيادات المقترحة، بين الهيئات الاقتصادية من جهة والاتحاد العمالي العام من جهة ثانية، لا تزال متباعدة، بحيث بات من الصعب التوصل الى اتفاق بين الطرفين. وما يعقد الأمور أكثر أن الدولة لا تستطيع أن تهرب من الزيادات، لكنها تعلم أن تمويل هذه الزيادات يرتب على الحكومة اتخاذ قرارات ضريبية غير شعبية. وهذه المعادلة تجعل الحكومة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما عدم القبول بالزيادات كما يطرحها الاتحاد وإثارة غضب الرأي العام، وإما القبول بالزيادات مع فرض ضرائب إضافية، ما يغضب الرأي العام أكثر.
وانتهى الأسبوع الماضي على ضرب مواعيد جديدة للحوار بين العمال وأصحاب العمل بمعية رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، لعلّ المتحاورين يهتدون الى حل وسط لمطلب تصحيح الأجور، الذي كان الملف الأبرز على أجندة مجلس الوزراء أمس واليوم أيضاً، وعلى هامشهما.
تمويل المحكمة
وعلى وقع انشغال المسؤولين في إيجاد الحلول اللازمة لأزمة الأجور والضرائب، بقي البند المتعلق بتمويل المحكمة، والذي أدرِج في صلب مشروع الموازنة، من دون أفق واضح، وبدأ هذا الموضوع يزيد العلاقات تعقيداً بين أطراف الحكومة، وخصوصاً أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الحامل بين يديه موازنة ثقيلة سياسياً وقاسية ضرائبياً، يسعى لتمرير الوقت بانتظار بادرة ما تؤدي الى فكّ حالة الاستحكام.
لذلك، فإن الغموض لا يزال يلفّ مصير الجلسات الثلاث التي حدّدت لمناقشة مشروع الموازنة في بحر الأسبوع المقبل. وهذا المشروع الذي يتضمن بند تمويل المحكمة، والتي أعلن يوم الاثنين عن تعيين القاضي النيوزيلندي ديفيد باراغوانث رئيسا لها، يبقى بحاجة الى ثلثَي أصوات الوزراء ليجري إقراره، تمهيداً لإحالته الى مجلس النواب، وهو ما يعني أن خطر سقوط الموازنة هو المرجح حتى الآن في ظل الاصطفافات السياسية الحالية.
حوار ساخن
وتشير المعلومات الى حوار ساخن غير ظاهر حول ملف التمويل حصل في الأيام الماضية لم يصل الى نتيجة، في ظل إصرار الرئيس ميقاتي على الالتزام بالتعهدات الدولية، وإصرار الأكثرية على رفض التمويل.. في حين كشف وزير الخارجية عدنان منصور أنه تلقّى رسالة من الأمم المتحدة تطالب لبنان بالتزام تعهداته الدولية بدفع مستحقاته المتوجّبة عليه للمحكمة الدولية.
الى ذلك، وبينما تواجه الحكومة صعوبة في تصحيح الأجور وفق ما يدعو اليه الاتحاد العمالي بسبب عجز الخزينة، دخل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على خط المطالبة بالزيادات، ولكن هذه المرة لمصلحة المحكمة الدولية، إذ بعث الى لبنان عبر السفير نواف سلام برسالة، هي عبارة عن ملف من عشرات الصفحات، يطلب فيها أن يدفع لبنان زيادة على الحصة التي يجب أن يسدّدها الى المحكمة، بحجة أن هناك تبدلاً في قيمة اليورو وعملات أخرى.
وعلمت «البيان» أن الأكثرية وضعت ملف المحكمة برمّته، وليس فقط الشق المتعلق بالتمويل، على نار قانونية حامية، لجهة مراجعة هذا الملف من كافة جوانبه، ومحاولة استغلال الثغرات القانونية والدستورية التي تشوبه لتقديمها حجّة للرئيس ميقاتي وللمجتمع الدولي على حدّ سواء.