على كثرة ما كتب عن مُشكلات الأقباط في مصر، فإنه إلى الآن مازالت مشكلاتهم تتصاعد يومًا بعد آخر دون حل جذري، رغم تأكيد المراقبين على أن الصدامات التي وقعت على امتداد الحقب السابقة لم تكن يوما فتنة طائفية وإنما تعاملت معها النظم بنظام «المسكنات»، ولعل أبلغ مثال لذلك أحداث «ماسبيرو» التي وقعت الليلة قبل الماضية، بالقرب من مبنى الإذاعة والتلفزيون، وتظاهر خلالها آلاف الأقباط؛ ردًا على قيام المئات من مسلمي قرية الماريناب بمحافظة أسوان بهدم دار ضيافة يدعي المسيحيون أنها كنيسة حصلوا على ترخيص ببنائها، وهي التظاهرات التي شهدت اشتباكات بين الأقباط وقوات من الجيش والشرطة، وأسفرت عن مقتل 24 شخصًا ما بين جنود وأقباط، بالإضافة إلى مئات الإصابات.
ولم تكن هذه الأحداث هي الأولى في مسلسل العنف بين الأقباط والمسلمين، فمن آن لآخر خلال العقود الماضية تشهد مصر مصادمات بين مسلمين وأقباط أو بين الأمن المصري والأقباط، وعلى الرغم من محاولات الإعلام الدائمة، للترويج لهذه المصادمات على أنها «فتنة طائفية»، إلا أنه في واقع الأحداث، بعد كشف حقائقها، يتبين أن جميع المصادمات التي دخل فيها الأقباط لم تكن لها علاقة بالفتنة الطائفية كما يصورها الإعلام سواء في الداخل أو في الخارج.
ويؤكد مراقبون ومحللون أن غضب الأقباط لا يخرج بشكل عام عن «النزاع» على قطعة أرض أو محاولة بناء كنيسة، أو قصة حب بين مسلم وقبطية، أو مشاجرة، وكلها حوادث يتم تضخيمها والترويج لها على أنها «فتنة طائفية»، ما يساعد على اشتعال الموقف سريعًا بين الطرفين مع أنها في الأساس حوادث عادية.
أرقام وتقديرات
وتقدر إحصائيات عدد الأقباط في مصر ما بين 5 إلى 10 في المائة من مجموع السكان، ويتركز معظمهم في الصعيد، ويزيد عددهم هناك عما هو عليه في دلتا النيل، لاسيّما في المنيا، وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر، بالإضافة إلى القاهرة. ويتفق المراقبون على أن عصر مبارك كان أكثر العصور التي شهدت حوادث عنف بين الأقباط والمسلمين، بينما كانت أفضل فترات الانسجام والتلاحم بين الطرفين أيام سعد زغلول وثورة 1919، حيث شهدت هذه الفترة توحدًا لم يسبق له مثيل بين الأقباط والمسلمين في مواجهة الاحتلال البريطاني تحت شعار «عاش الهلال مع الصليب»، وخلال هذه الفترة منح دستور 1923 الحرية لجميع المصريين في ممارسة عقائدهم وشعائرهم الدينية. وتم كذلك خلال هذه الفترة، إدخال تعليم الديانة المسيحية في المدارس، وقام بتدريسها المدرسون الأقباط، حتى عام 1949 وأصبحت مادة الدين من بين مواد الدراسة، وذلك للمساواة بين التلاميذ المسلمين والأقباط.
الحقبة الناصرية
ولم تكن الحقبة الناصرية بعد ثورة يوليو أقل اهتمامًا بحقوق الأقباط، حيث يؤكد المؤرخون أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كان يسمح ببناء الكنائس وأمر بأن يكون عدد الكنائس المبنية سنوياً 25 كنيسة، وأن يكون التصريح بها بتوجيه من البابا نفسه إلى الجهات الرسمية.
ويؤكد المؤرخون أن علاقة عبدالناصر بالبابا كيرلس السادس كانت ممتازة، والنتيجة في ضوء الحقوق التي منحها الأول للأقباط وتحقيق العدالة بينهم وبين المسلمين أنه لم يشهد عهده حادثة طائفية واحدة، ولم يكن هناك تصعيد من أحد الطرفين ضد الآخر كما يحدث الآن، بل نجح عبدالناصر في جمع الطرفين تحت هدف واحد هو «مواجهة الأميركان».
بذور الأزمة
غير أن التحوّل الرئيسي الذي شهدته العلاقة بين الأقباط والمسلمين كان في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حيث شهدت علاقة الطرفين اضطرابًا شديدًا عام 1972، وبالتحديد في حادث «الخانكة»، وكان الخلاف بسبب قيام أقباط منطقة الخانكة بتأسيس جمعية قبطية اسمها «الكتاب المقدس» حوّلها الأقباط إلى كنيسة؛ ما أدى إلى غضب واسع بين المسلمين أدى إلى إحراق الكنيسة ثم ازداد الموقف اشتعالاً بقيام المسلمين بحرق عدد من منازل الأقباط، وسط تعامل سلبي من الشرطة المصرية التي اكتفت آنذاك بعقد جلسات ودية للصلح بينهم دون معالجة المشكلة من جذورها.
وكما كان بناء الكنيسة هو السبب أيضا في أحداث الخانكة، فلنفس السبب كانت أحداث «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية القاهرة التي أطلق عليها «الفتنة الكبرى» وجاءت بعد أعوام من الحادث الأول في العام 1981، في أعقاب زيارة السادات للقدس المحتلة، وتوقيعه لمعاهدة «كامب ديفيد»، ولخصها الرئيس الراحل السادات آنذاك في خطابه الشهير في مجلس الشعب بـ«خلافات بين جيران» على ماء غسيل ألقاه قبطي على مسلم، وإن كان السبب الحقيقي وراء هذه الأحداث هو «انتشار شائعة باستيلاء بعض الأقباط على قطعة أرض بشكل غير قانوني والشروع في بناء كنيسة عليها»، الأمر الذي أثار غضب المسلمين فاندلعت أعمال شغب أسفرت عن مقتل 18 شخصًا، وآنذاك اصطدم السادات مع كل رموز مصر السياسية والدينية، بمن فيهم البابا شنودة، الذي عُزل بعد ذلك، فيما عرف بأحداث سبتمبر 1981.
حقبة السبعينات
وخلال حقبة السبعينيات؛ أي عصر السادات كانت مطالب الأقباط تتركز في حقهم في بناء الكنائس، والتمثيل في الأجهزة الحكومية، وعدم التمييز بينهم وبين المسلمين في الوظائف العليا.
وبوفاة السادات العام 1981، وبعد تولي حسني مبارك للحكم والإفراج عن السجناء السياسيين ظن الأقباط أنهم يدخلون عصرًا جديدًا يحصلون فيه على حقوقهم، إلا أن عصر مبارك بشهادة بعض المحللين كان «أسوأ العصور» التي زادت من غضب الأقباط، بسبب محاولات التسكين الفاشلة التي كان يلجأ إليها النظام عند أي مشكلة لهم دون العمل على حلها حلاً جذريًا.
وشهد عصر مبارك مئات الحوادث التي وقع خلالها تصادمات بين المسلمين والأقباط، لعل أهمها أحداث «الكشح» الأولى والثانية عامي 1998 و1999 والتي شهدت أحد أعنف الأحداث التي وقعت بين المسلمين والأقباط، وتعددت الأسباب حول هذه الأحداث إلا أن القاسم المشترك كان قيام كل طرف باستفزاز الآخر للانتقام منه والنتيجة حرق العديد من المنازل ومصرع وإصابة العشرات من الطرفين.
وتوالت حلقات مسلسل «الفتنة الطائفية»، في عهد مبارك مثل أحداث «عين شمس» الدامية في العام 1985، مروراً بـ«إمبابة» في 1991، و«أسيوط» 1994، و«محرم بك» في الإسكندرية 2005، وأحداث قرية «بمها» قرب مدينة العيّاط، في العام 2007 التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة ثم حادث «العمرانية» في 2010، وحادث تفجير كنيسة القديسين ثم أزمة تعيين محافظ قنا، وأخيرا أحداث «ماسبيرو» بسبب كنيسة قرية الماريناب بمحافظة أسوان، وكلها حوادث شهدت الكثير من أعمال العنف والسبب الرئيسي لها هو محاولة الأقباط بناء كنائس.
معاناة تتراكم
ويرى الخبير السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية د. عماد جاد، أن تاريخ معاناة الأقباط في مصر طويل، وظلت لأعوام تتراكم دون حل، حيث إنهم يشعرون بـ«مواطنة منقوصة». ويضيف أن السادات زرع «بذور الشقاق الطائفي في عهده»، لأن المناهج كانت «أكثر تشددًا» حتى ارتفعت «درجات الطائفية»، على حد تعبيره. ويلفت إلى أن السادات كان يصف نفسه بـ«الرئيس المسلم». وبحسب جاد، فإن نظام مبارك، جاء «ليرعى شجرة الطائفية».
مصر الثورة
ويعتقد جاد أن المصريين بعد ثورة 25 يناير هم من يجنون الثمار، أما في ما سبق السادات فعلى الرغم من كل الاتهامات لعبدالناصر وعلاقته بالإخوان، التي انتهت بمحاولة اغتياله؛ إلا أنه لم يكن «طائفيًا»؛ بل دائماً ما كان يسعى إلى تحقيق المواطنة الاقتصادية والاجتماعية وقد كانت تربطه علاقات جيدة بالبابا كارلوس وأسهم من ماله الخاص في بناء الكاتدرائية.
ويعتبر الخبير في مركز الأهرام أن السياسات الرسمية حتى الآن بعد الثورة مازالت تسير على درب «عدم إرساء قواعد دولة القانون وحقوق المواطنة وتعامل الأمن مع المتظاهرين السلميين والأقباط كما كان يحدث في عصر مبارك دون أن تحل المشكلة من أساسها».
التدخل الخارجي
أما المفكر القبطي د. جمال أسعد فيرى أن «الأقباط كانوا يعاملون كفئة مهمشة داخل الكنيسة لا علاقة لها بالدولة»، ولم يكن لهم حقوق مدنية.
ويشير أسعد إلى أن الأقباط بدأوا يشعرون بانتمائهم للوطن منذ إعطائهم حق التجنيد، من ثم توالت المكاسب ووضعوا على بداية مشوار المواطنة وتحقيق مكاسب مدنية وسياسية، بحسب قوله. ويردف القول: إن مع التطور الديمقراطي آنذاك بدأ الأقباط ينادون بحقوقهم وتم استغلال تلك الورقة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، حيث تم استخدام ورقة الأقباط في الحملة الفرنسية والاستعمار البريطاني، وكذلك الاستعمار الأميركي الذي أخذ أشكالاً اقتصادية وسياسية وثقافية وأصبحت مطالب الأقباط ورقة ضغط، إلا أن النظم السياسية المتعاقبة لم تستطع إنهاءها بشكل ضروري فكل الأنظمة تعاملت معها بما يعرف بنظام «بالقطعة»، ففي عهد عبدالناصر لم يتم حلها رغم أنه لم يكن هناك تمييز ضد الأقباط.
أقباط المهجر
ويلفت أسعد إلى أنه منذ أكثر من 20 عامًا أوجدت أميركا ما يسمى بـ«أقباط المهجر» وهم الذين تجنسوا بالجنسية الأميركية لاختراق المجتمع من خلال افتعال المشكلات وتطبيق أجندة واشنطن، بالتوازي مع «مخطط صهيوني» لإعادة تقسم المنطقة على أساسي طائفي. ويؤكد أن مشكلة الأقباط نتجت عن «تراكم تاريخي» ولابد أن تحل بشكل تراكمي عن طريق تفعيل القانون وتهيئة الشارع السياسي لتفعيل سيادة القانون».
عزل سياسي
بدوره، يقول المفكر القبطي كمال زاخر، إنه عند قيام ثورة يوليو بتأميم الشارع السياسي تم استبعاد الأقباط من الشأن العام، بعد أن كان وجودهم طبيعيًا كجزء من العمل السياسي والاجتماعي، كما أن الحل الاشتراكي الذي تبناه عبد الناصر أكثر من تضرر منه كان الأقباط، حيث تبعه مطاردة للأملاك والأموال وهم كانوا أصحاب ضلع كبير في الرأسمالية الوطنية.
ويردف القول إنه مع مجيء الرئيس السادات كانت هناك أفكار لمناهضة المشروع الناصري وإحلاله بالأيدلوجية الدينية. ويضيف: «في عصر مبارك تفاقمت وتيرة استهداف الأقباط وإبعادهم من المشهد السياسي، ما جعلهم يلجأون إلى الكنيسة للبحث عن هويتهم، ما جعل الكنيسة تتحول إلى مجتمع موازٍ»، والغريب أن جميع الأطراف بما فيها نظام مبارك رحبوا بذلك الأمر، وعزف الأقباط عن المشاركة في الحياة السياسية.
ويلمح إلى أن أنه بعد قيام ثورة 25 يناير ظهرت ومضات أظهرت إعادة بعث الروح المصرية قبل ثورة 1952، حيث عاد الأقباط إلى الشأن السياسي وكانت تقام الصلوات القبطية في حماية المسلمين والعكس كان صحيحًا، إلا أنه سرعان ما استهدف هذا الوميض من خلال أحداث إمبابة وماسبيرو الأخيرتين، لافتا إلى أن هناك من يحاول العمل على انفجار الملف القبطي.
ويجد زاخر الحل في عودة الدولة إلى دورها الحيادي تجاه المواطنين من خلال عودة التيارات الإسلامية والمؤسسات الكنائسية إلى دور العبادة فقط، حيث إن رجل الدين لا يصلح للسياسة فهو أحادي الفكر ويدافع عن عقيدته، مؤكدا أن الحل الجذري لمشكلات الأقباط يكمن في عودة دولة القانون وإعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة.
