أثار اغتيال القيادي في تنظيم «القاعدة» أنور العولقي من الجدل بقدر ما أثار من الارتياح في واشنطن. كقيادي في التنظيم، كان من المتوقع أن تلقى عمليته الترحيب لدى سائر الدوائر الأميركية. لكن كمواطن أميركي بالولادة، طرحت تصفيته إشكالية قانونية كانت مدار ردود فعل إعلامية وسياسية واسعة؛ تراوحت بين التحفظ المبطّن ومطالبة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشرح مسوغات قراره، وبين الاعتراض الصريح ولو بشكل محدود. فالدستور الأميركي كفل للعولقي، كمواطن متهم، وجوب محاكمته أمام القضاء وفق الأصول المرعية بحيث يمكنه الدفاع عن نفسه وربط تنفيذ أي عقوبة بحقه بصدور حكم يدينه، فكيف بعقوبة الموت؟.

اختصار الطريق على حساب النص في «بلد القانون» طرح التساؤل بشأن مشروعية قتله. تسليط الأضواء على هذا الجانب، والمداخلات التي أثارها، أدت إلى بعض الإحراج والإرباك. لكن بالنهاية بقيت كفة الاعتبار الأمني راجحة على الجدارة القانونية للعملية.

 مطالعة قانونية

وأكّدت الإدارة الأميركية أنها استندت على مطالعة قانونية، أعدتها وزارة العدل بعد التشاور مع فريق من المحامين المختصين، يرتكز تعليلها على أن الولايات المتحدة في حالة حرب مع «القاعدة» التي أجاز «الكونغرس» العام 2001 مقاتلتها، وأن العولقي كأحد قياداتها في شبه الجزيرة العربية، سبق وشارك، بالتخطيط أو من خلال التحريض، في تنفيذ عمليات استهدفت أميركيين ومصالح أميركية، منها علاقته عبر البريد الالكتروني بالضابط نضال حسن الذي قتل 13 من زملائه في ثكنة عسكرية أميركية. كما سرّبت تعليلات أخرى من نوع أن العولقي «هو أيضاً يمني»، وأنه كان مختبئاً في مكان بعيد «تعذر معه إلقاء القبض عليه لمقاضاته».

لكن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة لبعض المنظمات المعنية بحقوق الإنسان. «على الإدارة أن توضح على الملء المعايير القانونية لقتل أي مواطن أميركي في الخارج مشتبه به كإرهابي».. كما جاء في ردّ «الاتحاد الأميركي للحقوق المدنية» على الحادثة.

كما أدلى مركز «حراسة الحقوق الدستورية» بدلوه، مؤكداً على «عدم جواز التفرد باستهداف أي شخص أو قتله إذا لم يكن يشكّل خطراً داهماً على المصالح الأمنية». بل أن بعض الأصوات في مجلس النواب ذهبت إلى أبعد من ذلك حين رأت في العملية «سابقة خطيرة»، مثل النائب الديمقراطي دانيس كوسينيتش، وانتقدت أوباما لـ«قتله أميركيا من دون محاكمة»، كما في حالة النائب والمرشح الرئاسي رون بول.

مردود سياسي

لكن مع ذلك، عادت العملية بمردود سياسي، وإن سريع التبخر، على اوباما. أظهر الرئيس الأميركي قدرة، في نظر مواطنيه، على اتخاذ القرارات الخارجية الحاسمة. خاصة وأن المستهدف من «القاعدة»، فيما تعتبر هذه العملية الثانية من نوعها خلال خمسة شهور. غير أن الرابح الأكبر، بحسب قراءات المراقبين في واشنطن؛ قد يكون الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي عاد مؤخراً إلى صنعاء بعد فترة استشفاء. فواشنطن لا تخفي أن تقفي أثر العولقي جرى بالتعاون الوثيق مع السلطات اليمنية، «مما يؤكد على أهمية العلاقة مع صنعاء».

وبالتالي استمرار الرئيس صالح في منصبه؛ وإن حرصت الإدارة على تأكيد تمسكها بالمبادرة الخليجية «التي نعم ما زالت على الطاولة كجسر عبور إلى عملية انتقال السلطة»، كما قالت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية الأميركية لـ«البيان». الرسالة من مقتل العولقي أن مطاردة «القاعدة» من الجو باتت مفتوحة، وان كافة القوانين المحلية والدولية تبقى في إجازة، طوال فترة هذه المواجهة.