بعد نحو 30 جمعة، يتجه الثوار السوريون أكثر فأكثر نحو العمل المسلح، بعد أن سدت منافذ التظاهر السلمي في وجوههم وأعيتهم سبل الاعتصام والعصيان المدني في مواجهة آلة عسكرية سخرت لها كافة إمكانات الدولة التي يفترض أن تحميهم. للتغير المقبل في آلية عمل الثورة السورية أكثر من تفسير منطقي لمآلات التحركات السلمية، وما تعنيه قبلاً لجهة نتائجها.

حينما تصطدم بعقلية ستالينية جامدة ومتجردة حتى من المشاعر البطريركية للأنظمة الشمولية. الواضح أن كلا الطرفين في سوريا، المتظاهرين والنظام، يخوضان معركة البقاء الفاصلة التي سترسم ملامح البلاد لقادمات الأيام. فهي بالنسبة إليهما معركة مصير ومستقبل يأخذ فيها الرابح كل شيء ويبقى وحيداً. وعليه، تعتبر الأحداث الجارية منذ نحو ستة شهور ونصف الأهم في تاريخ سوريا منذ عقود، إن لم يكن قروناً.

ومرد ذلك، بطبيعة الحال، إلى الانقسام الواضح في بنية المجتمع السوري بفعل السياسات القائمة منذ أكثر من أربعين عاماً، والتي فعّلتها الاحتجاجات على طريقة الحجر المرمي في المياه الراكدة، فكشفت مستور البركة المخفي بفضل القبضة الأمنية.

للعمل المسلح محاذيره الكثيرة. فدولة متعددة الطوائف والأعراق، تجاورها دول من قبيل إسرائيل ولبنان والعراق، تتمسك أقلياتها ببساط النظام السحري خوفاً من «بعث» عنقاء الأغلبية من تحت الرماد، لا يمكن إلا أن يعد فيها مواطنها إلى المليون قبل أن يفكر بحمل السلاح، حتى لو كان دفاعاً عن نفسٍ شرعته العقائد الوضعية والإلهية.

 

التجربة الفرنسية

ولكن «عسكرة» الثورة السورية، في نهاية المطاف، ليست فريدة من نوعها، بالنظر إلى التجارب التاريخية السابقة وتلك الحالية. لم تنحدر فرنسا، على سبيل المثال، إلى أتون حربٍ أهلية خلال أربعينات القرن الماضي بعد الإطاحة بنظام فيشي، على الرغم من حملات الانتقام الهائلة الموجهة ضد أتباع ذلك النظام.

والتي وصلت حتى إلى حد حجب البطاقة الصحافية عن الإعلاميين المتواطئين مع حقبة «فرنسا الفيشية». ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن الفرنسيين أنفسهم هم أصحاب الثورة المعروفة بمبادئها الثلاثة: «حرية» «مساواة» «أخوة»، التي أطاحت بآلاف الرؤوس تحت شفرة المقصلة، وأسست لثوراتٍ تحررية واستقلالاتٍ وأفكارٍ وعقودٍ اجتماعية غيرت وجه العالم منذ أكثر من قرنين.

الحالة اليوغسلافية

وحينما تعذر على البوسنيين والكروات التفاهم مع السلطة الصربية لوطنهم اليوغسلافي قبل عشرين عاماً، ثاروا عليها حاملين السلاح، بعد أن تيقنوا أن هذا خيارهم الوحيد في مقابل «بلغرادهم» التي استحوذت على كل شيء بدءاً من المناصب العليا في الجيش والحزب، مروراً بقمع تطلعات مكونات المجتمع السياسية والثقافية.

وليس انتهاءً بممارسة التطهير العرقي والديني بحق كل من حاول التململ من القبضة الحديدية لعاصمة الوطن الكبير. ويبقى هذا الضرب من الخيارات الأكثر مخافةً، لما يعنيه من تفككٍ تدريجي كان منطقياً بعد دفن قفاز جوزيف تيتو المغلف بالمخمل.. والتشابه هنا موصول لناحية رهاب الأقليات وتململ الأغلبية.

المنطقة العربية

أما في المنطقة العربية، فيبرز مثلان يقاربان المسألة السورية. فإبان هزيمة نظام «البعث» العراقي في حرب تحرير الكويت، انتفض العراقيون في معظم المحافظات، فأنهوا، بالسلاح، أي وجودٍ للحرس الجمهوري وعسسه ومعتقلاته.

ولكن، ولأن أحداً في الغرب لم يملك العزيمة لدفع «المهيب» إلى نهايته المنطقية، بسبب ملفاتٍ عالقةٍ أخاف بها خصومه، تناسى النظام السابق جراح «أم المعارك» وأراضيه الجنوبية المسيطر عليها أميركياً، ورد التحية بأحسن منها لمواطنيه من البصرة حتى دهوك على مسامع وأبصار «المارينز»، في تجربةٍ سبقت حالة «البعث» السوري، حينما تحركت دبابات الحرس الجمهوري لتدك معقل الاحتجاجات في درعا، على مرمى حجر من هضبة الجولان المحتلة وفي تجاوزٍ لخط الهدنة الإسرائيلي.

وكأن التاريخ يعيد نفسه مع نظامٍ يقال إن أوراقه الإقليمية أشبه بلعبة الروليت. وإن كان السوريون لا يتمنون مصيراً مشابهاً انتهى إليه جيرانهم العراقيون العام 1991، فإنهم تيقنوا على ما يبدو أن حديد النظام لا يفله سوى سلاح الثورة، سواءً تدخل «الأجنبي» عسكرياً، كما في الحالة العراقية نفسها في 2003، أو لم يفعل.

وتالياً، يتطلعون إلى سيناريو أسلم عاقبةً، يستنسخ النموذج الليبي، الذي استهل ثورته بأغصان الزيتون وأنهاها على أزيز الرصاص في باب العزيزية احتفالاً; رغم ذهب «العقيد» وأمواله واستعداده للمساومة، فضلاً عن شبكة علاقاته وقنابل مهاجريه غير الشرعيين التي ذهبت أدراج الرياح. ولأن نظام «الفريق» السوري، بدوره، براغماتي الصبغة، رغم وجهه العقائدي.

فإن أنباء المساومات التي طفت على السطح، قد تغير من هيكل المعادلة الحالية أو تعدل فيها أو تؤخر آثارها ليس إلا، ولكنها ليست بقادرة على محوها أو إعادة تسويق البضاعة التي يحاول السوريون منذ مارس الماضي ردها إلى صانعيها ومروجيها، بعد أن توصلوا إلى قناعة، هربوا منها على الدوام خوفاً من مواجهة لحظة الحقيقة، مفادها أن الذئب لا يمكن أن يصبح نباتياً حتى لو اقتلعت أسنانه.. فقرروا حمل «كماشة السلاح» علهم يكوون الجرح علاجاً أخيراً.