انفتحت الجمعة، صفحة جديدة في مسيرة القضية الفلسطينية. مطالبة الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة فلسطين، سطّر نقلة نوعية ولو جنينية. أن يؤدي هذا التطور بالنهاية إلى دولة أم لا، مسألة أخرى؛ أمرها مرهون بالقدرة على تطوير هذه الخطوة الأولى.

صحيح أنه لا تأثير فورياً لها على أرض الواقع. لكن دقّ باب المنظمة الدولية بهذه الصيغة، وضع حجر الأساس لتغيير قواعد اللعبة ونقلها من الاستئثار والارتهان للثنائي الإسرائيلي الأميركي، إلى التدويل المفتوح على أخذ القرارات الملزمة.

احتمال ربما بعيد، لكنه وارد. وقد يتحقق في آخر المطاف «إذا استمرت إسرائيل في خطها الراهن حيث قد تواجه بحل يفرضه المجتمع الدولي»، كما يقول الوزير الإسرائيلي الأسبق إسحاق هرتزوغ في مقالة نشرتها له إحدى الصحف الأميركية، سيناريو يفسّر المحاولات المستميتة التي بذلتها الدولة العبرية وواشنطن للحيلولة دون هذا الخيار الدولي.

الآن بعد أن مضى الطلب في طريقه، يجري استنفار جديد لخنق هذا الخيار أو تمييعه ومحاصرة رام الله بسببه. في واشنطن تتجه الأنظار نحو الكونغرس. وبخاصة مجلس النواب، الذي هدّد أقطابه أكثر من مرة في الأيام الأخيرة بوقف المساعدة السنوية للسلطة الفلسطينية، إذا لم تتراجع عن هذا الطريق.

لكن من غير المرجح أن يسارع إلى ترجمة تهديده لأنه غارق بصراع ديمقراطي جمهوري عنيف حول السياسة المالية. خاصة وان الإدارة ضدّ مثل الردّ؛ على ما سرّبت مصادرها وذلك لأسباب تتعلق بالأمن في الأراضي الفلسطينية.

أما في نيويورك، حيث مسرح الحدث، فقد بدأ التحرك من بابين: «الرباعية الدولية» والآليات التي تحكم طلب الانضمام. الأولى المغيّبة منذ ولادتها، صحت فجأة بعد ساعات قليلة من خطاب الرئيس الفلسطيني، وطلعت من نيويورك بخطة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية؛ في غضون أربعة أسابيع مع انه لا جديد فيها سوى محاولة التفاف على الطلب الفلسطيني.

الوزيرة كلينتون سارعت إلى ترويج المبادرة. بالأحرى الملهاة، المتوقع أن تتوالى فصولها ألأخرى بين مكتب الأمين العام للأمم المتحدة وبين مجلس الأمن.

المفترض أن يرفع بان كي مون الطلب الذي تسلمه من الرئيس الفلسطيني إلى المجلس، مطلع الأسبوع القادم. وهذا ما فهمته مصادر الوفد الفلسطيني.

لكن ليس هناك مهلة محددة وملزمة له. فقد يتأخر التسليم، تماشياً مع خطة شراء الوقت التي قرّرتها الإدارة الأميركية. مجلس الأمن ساحتها الرئيسية لها، حيث يعمل على إحالة الملف إلى «لجنة فنية» لدراسته وبما يكفل نقعه في أدراجها «لأسابيع وربما لأشهر» وفق ما ذكرت معلومات منسوبة لمسئولين أميركيين.

بذلك، تتفادى واشنطن استخدام الفيتو، لو تمكن المشروع من ضمان تسعة أصوات من 15 في المجلس. وفي كلتا الحالتين تصبح الجمعية العمومية المآل الأخير للمشروع، حيث التصويت مضمون بأكثرية حوالي 140 دولة، على قرار برفع وضعية فلسطين في الأمم المتحدة من مراقب إلى «دولة مراقب».

كما طرحه الرئيس الفرنسي في خطابه. صيغة تعمل إسرائيل وواشنطن على إجهاضه عبر العودة إلى طرح صيغ ملغومة لاستئناف المفاوضات، التي عاد نتنياهو وأكد في كلمته أمام الجمعية، على شروطها التعجيزية.

في ضوء الاهتمام الذي حظي به وردود الفعل التي توالت حوله، بدا الحدث الفلسطيني في منزلة خبطة دبلوماسية موفقة، وضع إسرائيل واستطراداً واشنطن في الزاوية.

وتميل بعض التوقعات الموثوقة عادة، إلى الاعتقاد بأن علاقات واشنطن مع المنطقة ومع أطراف محددة فيها ستشهد المزيد من التأزيم، باعتبار أنها ساهمت في دفع الوضع الفلسطيني إلى هذه النقطة. أو أنها امتنعت عن المساعدة في إقناع رام الله بالعدول عن خيارها.