في خطاب تاريخي أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك الليلة الماضية، وبعيد تسليمه طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة على حدود 1967 الى الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون، اكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن «ساعة الربيع الفلسطيني دقت»، داعياً الدول الأعضاء في مجلس الأمن الى التصويت الإيجابي على الدولة، ومبدياً استعداده العودة إلى المفاوضات «شرط وجود مرجعية دولية ووقف فوري للاستيطان».

وشدد عباس في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك الليلة الماضية، أنه «آن الأوان أن ينال الشعب الفلسطيني حريته واستقلاله». وأردف القول: «في وقت تؤكد الشعوب العربية سعيها للديمقراطية فيما عرف بالربيع العربي، فقد دقت أيضاً ساعة الربيع الفلسطيني.. ساعة الاستقلال». وقال: «لا اعتقد أن أحداً لديه ذرة ضمير ووجدان يمكن أن يرفض حصولنا على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، بل وعلى دولة مستقلة». وطالب الرئيس الفلسطيني في الوقت ذاته الأمم المتحدة بـ«استمرار دعمها للقضية الفلسطينية»، منوهاً: «نطمح إلى دور أكبر حضوراً وفعالية للأمم المتحدة من أجل تحقيق سلام عادل وشامل في منطقتنا، يضمن الحقوق الوطنية الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني».

وشدد على «التمسك بخيار التفاوض للتوصل إلى حل دائم للصراع وفق قرارات الشرعية الدولية»، مستطرداً: «أعلن استعداد منظمة التحرير للعودة على الفور إلى طاولة المفاوضات، وفق مرجعية معتمدة تتوافق والشرعية الدولية ووقف شامل للاستيطان». ودعا الدول الأعضاء في مجلس الأمن الى التصويت بنعم على اعلان الدولة.

 

صخرة إسرائيلية

وأوضح في خطابه أن «جهود السلام الصادقة كانت تتحطم دائماً على صخرة مواقف الحكومة الإسرائيلية»، مضيفاً أن الحكومة الإسرائيلية «ترفض اعتماد مرجعية للمفاوضات تستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتواصل وتصعّد بشكل محموم عملية بناء المستوطنات فوق أراضي دولة فلسطين المستقبلية». واردف ان «الاستيطان يجسد جوهر سياسة تقوم على الاحتلال العسكري الاستيطاني»، مؤكدا أن هذه السياسة «تتحدى القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة».

وشدد على أن إسرائيل «هي المسؤولة الأولى عن فشل عملية السلام، وانهيار عشرات الفرص، ووأد كل الآمال الكبرى التي أطلقها توقيع اتفاق إعلان المبادئ العام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل لتحقيق سلام عادل يفتح تاريخاً جديداً لمنطقتنا».

 

سياسة ممنهجة

وشدد أبومازن خلال الخطاب على أن «تقارير بعثات الأمم المتحدة تقدم صورة مرعبة عن حجم الحملة الاستيطانية»، مؤكدا أن إسرائيل «تنتهج سياسية ممنهجة» في هذا الشأن. واشار الرئيس الفلسطيني إلى أن «سلطات الاحتلال الإسرائيلي ترفض إعطاء تراخيص بناء للفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة، بينما تكثف حملة هدم ومصادرة البيوت وتشريد أصحابها وساكنيها ضمن سياسة تطهير عرقي تعتمد أساليب متعددة بهدف إبعادهم عن أرض آبائهم وأجدادهم.. ووصل الأمر إلى حد إصدار قرارات بإبعاد نواب منتخبين إلى خارج مدينتهم القدس».

كما أكد أن «سلطات الاحتلال تسابق الزمن لفرض أمر واقع على الأرض يُغيرُ حقائقها ويقوض الإمكانية الواقعية لقيام دولة فلسطين». وفي شأن آخر، ألمح عباس إلى «تصاعد الدور الإجرامي لميليشيات المستوطنين المسلحين الذين يحظون بالحماية الاستثنائية من قبل جيش الاحتلال في تنفيذ اعتداءات متكررة ضد مواطنينا، باستهداف منازلهم ومدارسهم وجامعاتهم ومساجدهم وحقولهم ومزروعاتهم وأشجارهم». كما لفت إلى استمرار إسرائيل في مواصلة حصارها على قطاع غزة، قائلًا إن «سلطات الاحتلال تواصل فرض حصارها المشدد على قطاع غزة، مستكملة ما جرّته حربها العدوانية قبل على القطاع من تدمير هائل في المنازل والمدارس والمستشفيات والمساجد وما خلفته من آلاف الشهداء والجرحى».

بنيان السلطة

وذكر ان سياسة الاستيطان «ستدمر فرص تحقيق حل الدولتين الذي تبلور إجماع دولي حوله»، محذراً من أن هذه السياسة «تهدد أيضا بتقويض وضرب بنيان السلطة الوطنية الفلسطينية، بل وإنهاء وجودها»، لافتا إلى أن السلطة الفلسطينية «باتت تواجه بشروط جديدة لم يسبق أن طرحت في السابق».

ووصف هذه الشروط بأنها «كفيلة بتحويل الصراع المحتدم في منطقتنا الملتهبة إلى صراع ديني وإلى تهديد مستقبل مليون ونصف المليون فلسطيني من مواطني إسرائيل، وهو أمر نرفضه بالقطع ويستحيل أن نقبل الانسياق إليه». وأكد عباس على أن ما تقوم به إسرائيل «هو سلسلة خطوات أحادية تستهدف تكريس الاحتلال، رغم الاتفاقات التي تحرم القيام بأعمال أحادية انفرادية».

 

الاحتلال الأخير

وناشد عباس العالم التحرك من أجل الاعتراف بـ«الدولة الأخيرة المحتلة في العالم»، مردفاً ان «جوهر الأزمة في منطقتنا بالغ البساطة والوضوح، وهو: إما أن هناك من يعتقد أننا شعب فائض عن الحاجة في الشرق الأوسط، وإما أن هناك في الحقيقة دولة ناقصة ينبغي المسارعة إلى إقامتها». وأكد أن السلطة الفلسطينية «تقدر مواقف جميع الدول التي أيدت نضالنا وحقوقنا واعترفت بدولة فلسطين»، مطالبا الدول التي لم تعترف بعد بفلسطين مراجعة موقفها والاعتراف «بشكل عاجل».

واختتم عباس خطابه التاريخي بعبارات قال فيها «إن دعم دول العالم لتوجهنا هذا يعني انتصارا للحق والحرية والعدالة والقانون والشرعية الدولية»، مشددا على أن «جئتكم اليوم أحمل رسالة شعب شجاع فخور: فلسطين تبعث من جديد.. هذه رسالتي». وكان عباس سلم طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الامم المتحدة على حدود 1967 الى الامين العام للمنظمة الدولية بان كي مون قبيل الخطاب بقليل.

 

حقوق وثوابت

 

أعلن عباس خلال خطابه أهدافا عديدة للشعب الفلسطيني ومنها:

- هدف الشعب الفلسطيني يتمثل في إحقاق حقوقه الوطنية الثابتة في إقامة دولة فلسطين عاصمتها القدس فوق جميع أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وفق القرار 194، كما نصت عليه مبادرة السلام العربية.

- إنجاز هذا السلام المنشود يتطلب أيضاً الإفراج عن أسرى الحرية والمعتقلين السياسيين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية كافة ومن دون إبطاء.

- تمسك منظمة التحرير بنبذ العنف ورفض وإدانة جميع أشكال الإرهاب، وخاصة إرهاب الدولة.

- مواصلة المقاومة الشعبية السلمية للاحتلال الإسرائيلي ولسياسات الاستيطان والأبارتايد وجدار الفصل العنصري.

- تأكيد الخيار السياسي والدبلوماسي، وتأكيد عدم استهداف عزل إسرائيل أو نزع شرعيتها، بل اكتساب الشرعية لقضية شعب فلسطين، ونزع الشرعية عن الاستيطان.

على الهامش

 

* سلم الرئيس الفلسطيني طلب الانضمام بعضوية كاملة في المؤسسة الدولية إلى الأمين العام للأمم المتحدة حوالي الساعة 7.40. وقدم الطلب مغلفا ويحمل شعار دولة فلسطين.

* بدأ الرئيس الفلسطيني الخطاب حوالي الساعة 8.13 بالتوقيت المحلي لمدينة نيويورك.

* قاطع الحضور خطاب عباس 12 مرة كان أولها عند ذكر اسم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وآخرها حين لوح بنسخة من الطلب الذي قدمه للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بطلب عضوية فلسطين.

* استغرق الخطاب حوالي 40 دقيقة حدث ومواقف

 

- قال الناطق باسم الامم المتحدة مارتن نسيركي انه سيتم التعامل مع طلب انضمام دولة فلسطين الى الامم المتحدة «بسرعة» وإحالته الى مجلس الامن.

- دعت واشنطن الرئيس الفلسطيني العودة الى «المفاوضات المباشرة» مع اسرائيل رغم تقدمه بطلب عضوية لدولة فلسطينية لدى الامم المتحدة.

- اعتبرت حركة «حماس» ان خطاب الرئيس الفلسطيني في الامم المتحدة جاء «فارغ المضمون» بسبب تمسكه بخيار التفاوض.