لن يحصل الفلسطينيون على دولة بين عشية وضحاها، وإنما سيبرهنون إذا مضوا قدما فيما اعتزموه في الأمم المتحدة على أنهم جديرون بالحصول على دولة. وسيحققون للعرب ما تطلق عليه إسرائيل عندما تقوم بتوسيع مستوطناتها المقامة على أرض مسروقة " حقائق على الأرض". فلمن يحدث أبدا أن تطرقع الولايات المتحدة وإسرائيل أصابعهما وتتوقعا أن يذعن العرب بما تريدانه. فقد فقدت الولايات المتحدة هيمنتها على الشرق الأوسط، وانتهى الأمر: "عملية السلام" و "خارطة الطريق" و "اتفاق أوسلو"، فقد أصبحت هذه السخافة تاريخا.

إنني شخصيا أعتقد أن "فلسطين" هي دولة خيالية مستحيلة التحقيق الآن، وقد سرق الإسرائيليون الكثير للغاية من أراضي العرب من أجل مشروعاتهم الإستيطانية. فلتلق نظرة على الضفة الغربية إذا لم تصدقني، وعندئذ سترى المستوطنات الإسرائيلية الهائلة والقيود التي تفرضها مبانيها على بيوت الفلسطينيين، وإغلاقها حتى لأنظمة الصرف الصحي كعقاب تفرضه على الفلسطينيين ، فقد حولت الطرق المخصصة للمستوطنبن وحدهم خارطة الضفة الغربية إلى ما يشبه حاجز الريح في سيارة مهشمة. وفي بعض الأحيان أحسب أن الشيء الوحيد الذي يمنع وجود "إسرائيل الكبرى" هو عناد أولئك الفلسطينيين الصامدين.

ولكننا الآن نتحدث عن أمور أعظم كثيرا، فالاقتراع في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في مجلس الأمن سيقسم الغرب، ويفصل الأميركيين عن الأوروبيين وعشرات الدول الأخرى، وسيفصل العرب عن الأميركيين، وسيفجر الخلافات داخل الإتحاد الأوروبي بين أبناء اوروبا الشرقية وأبناء أوروبا الغربية، بين ألمانيا وفرنسا، وبالطبع بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.

وداعا إذا للحليفين الإقليميين الوحيدين لإسرائيل في المنطقة وهما تركيا ومصر وذلك في غضون 12 شهرا، ومجلس الوزراء الإسرائيلي الحالي يتألف من أناس أذكياء وربما متوازنون مثل إيهود باراك ، وحمقى مثل وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، ومن المؤكد أن إسرائيل تستحق ما هو أفضل من هذا. لقد أنشئت دولة إسرائيل على نحو غير عادل، والشتات الفلسطيني هو دليل على ذلك، ولكن الأمم المتحدة هي التي اجتمعت لتقرر مصير فلسطين في 29 نوفمبر 1947، والأمر الذي منح إسرائيل شرعيتها، وكان الأميركيون أول من اقترع بالموافقة على إنشاء دولة إسرائيل، والآن ومن خلال مفارقة تاريخية فائقة، فإن إسرائيل هي التي ترغب في منع الأمم المتحدة من أعطاء عرب فلسطين شرعيتهم. وأميركا هي التي ستمارس حق الاعتراض في مواجهة هذه الشرعية. هل لإسرائيل حق في الوجود؟ هذا السؤال هو شرك مجرب يقع فيه بانتظام وعلى نحو غير مألوف ما يوصفون بمؤيدي إسرائيل. إن الدول وليس البشر هي التي تمنح دولا أخرى الحق في الوجود،, ولكي يقوم الأفراد بذلك فإن عليهم أن يشاهدوا الخرائط، وأين تقع إسرائيل على وجه الدقة من الناحية الجغرافية؟ إنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا تعرف ولن تعلن أين تقع حدودها الشرقية، هل هي خط الهدنة القديم الذي أقرته الأمم المتحدة؟ أم هي حدود 1967 التي يؤثرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ويمقتها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أم هي الضفة الغربية ناقصة المستوطنات ، أم هي الضفة الغربية بأسرها؟

إن إخفاقات الولايات المتحدة في الوقوف في وجه إسرائيل والإصرار على سلام عادل في فلسطين، تبدو اليوم أكثر من واضحة للعيان، وإخفاقات العرب تبدو على القدر نفسه من الوضوح بسماحهم لطغاتهم بأن يبقوا وقتا أطول مما ينبغي. وتبدو واضحة كذلك إخفاقات إسرائيل في الوقت الذي كان ينبغي أن ترحب بطلب الفلسطينيين الاعتراف بدولتهم في الأمم المتحدة بكل ما يترتب على ذلك من التزامات بالأمن والسلام والاعتراف بالدول الأخرى. ولكن لا، لقد خسرت اللعبة، والقوة السياسية الأميركية في الشرق الوسط تقف اليوم معرضة للإهدار من أجل إسرائيل، فيا له من ثمن باهظ تدفعه واشنطن.

وحشية إسرائيلية

لقد اندلع غضب عظيم على امتداد العالم بفعل عقود من الوحشية العسكرية الإسرائيلية والاستعمار الإسرائيلي، وهناك ملايين من الأوروبيين الذين يعون بمسؤوليتهم التاريخية عن المحرقة اليهودية ويعون بالعنف الذي تشهده الدول الإسلامية، ولكنهم لم يعودوا يجبنون ويحجمون عن الانتقاد خوفا من اتهامهم بالعداء للسامية. وهناك نزعة عنصرية في الغرب أخشى أنها ستكون موجودة دوما ضد المسلمين والأفارقة، وضد اليهود كذلك. ولكن أليست المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي لا يمكن لفلسطيني عربي مسلم أن يقيم فيها تعبيرا عن العنصرية؟

إن إسرائيل تشارك في هذه المأساة بالطبع، فحكومتها المجنونة قادت شعبها في طريق الهلاك هذا، الذي لخصه خوف إسرائيل الرافض من الديمقراطية في تونس ومصر. كذلك رفضها الاعتذار عن قتل تسعة من الأتراك في أسطول الحرية العام الماضي، ورفضها المماثل الاعتذار لمصر عن قتل خمسة من رجال الشرطة المصريين خلال اشتباك إسرائيلي مع الفلسطينيين.