في أول اختبار للرئيس الأميركي باراك أوباما مع الجالية اليهودية الأميركية، جاءته الرسالة صريحة واضحة كشمس النهار: لا يكفي التراجع وبلع اللسان لوحدهما أمام إسرائيل.. مطلوب أيضاً أن يكون الخطاب نسخة عن خطابها واحتضان كامل لسياساتها. الغمز حتى الخجول، من زاويتها؛ غير مقبول.
وقد جرى تدفيع اوباما ثمنه، أول من أمس في انتخابات جزئية لمقعد في مجلس النواب؛ عن إحدى دوائر مدينة نيويورك التي تقطنها أكثرية يهودية شديدة الولاء للدولة العبرية. سقط أو بالأحرى أسقط مرشح حزب الرئيس الديمقراطي ليس لضعفه، لكن لأن نواطير إسرائيل في مثل هذه الدائرة وغيرها اشتموا رائحة ضعف سيّد البيت الأبيض، فقرروا معاقبته وجعله عبرة لغيره.
تأفف وفتور
كل ما فعله أوباما أنه تأفف أحياناً من انفلات إسرائيل ومراوغتها وتعامل مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بشيء من «الفتور». وكأنه بذلك ارتكب خطيئة لا مغفرة لها.
في حين أنه على أرض الواقع، تراجع أمام نتانياهو بصورة أثارت النقمة حتى لدى بعض الأوساط الأميركية، التي أخذت عليه انزلاقه غير المحسوب والقريب من «الانصياع» غير الجائز لرئيس حكومة بلد ولو حليف، راح يلقي عليه «الدروس وكأنه تلميذ مدرسة»، كما كتب أحد المعلقين. جرت الانتخابات في دائرة أشبه بالقلعة للحزب الديمقراطي، الذي احتكر تمثيلها منذ أكثر من 85 سنة من غير انقطاع. شبه ممنوعة على المرشح الجمهوري، لأن أصوات اليهود فيها محسومة لمرشح الأول. وهم شريحة وازنة فيها وناشطة بدرجة عالية، كعادة اليهود الأميركيين، في العملية الانتخابية.
هذه المرة وخروجاً على المألوف، صبّت هذه الشريحة لصالح الجمهوري. بل قامت بحملة لدعمه وضمان فوزه، كهزيمة لأوباما لأنه كشف عن «جفاء» نحو إسرائيل. وقد قيل مثل هذا الكلام صراحة، ومن على صفحات الصحف. عملوا نوعا من الجردة لتصريحاته وملاحظاته تجاه حكومة نتانياهو. مع أن أشدها لم يتجاوز لفت النظر والتمني على إسرائيل. وبعضها جاء بشكل عروض سخيّة مقاتلات ومعدات حربية مقابل وقف جزئي ومؤقت لبناء المستوطنات.
لكن كل ذلك لم يشفع لاوباما. لا انسحابه من موضوع الاستيطان وترك الحبل على غاربه لإسرائيل. ولا موقفه لإحباط التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة لطلب العضوية كدولة. وهو لا يزال يقاتل حتى الساعة الأخيرة للحيلولة دون وصول الأمر إلى هنا وزيادة العزلة على إسرائيل.
لعبة وحدود
مارس أوباما لعبة المراضاة مع إسرائيل، إلى حدود غير مسبوقة؛ خلافاً لقناعاته. فعله لم يتناغم ولو بالحد الأدنى مع طرحه، بخصوص السلام. اعتقد أن المزيد من «تطمين» إسرائيل لا بدّ وأن يحملها على تليين مواقفها، وأن يكسبه المزيد من الودّ والتأييد لدى أنصارها الكثيرين في واشنطن. ومنهم الكونغرس. خسر الاثنين. فاته أن التساهل يفتح شهية تل أبيب وفروعها في واشنطن على المزيد من التمادي. بل التطاول. وفاته أيضاً أن بعض أسلافه لم يتردّد في إخراس مثل هذا التطاول عند حدوثه: ريغان في موضوع بيع «الأواكس» للسعودية وبوش الأب في قضية القرض لحكومة شامير.
تماديه في الإذعان للتحديات والاستفزازات الإسرائيلية، وضعه في الدفاع. مع أنه كان بمقدوره كرئيس، فرض قواعد اللعبة من البداية وطرح مشروعه للتسوية. بل فرضه.
ولمثل هذا التوجه أنصار من العيار الوازن في أميركا. لكنه اختار التراخي، وبما يفيض عن ضوابط العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل. لفيفه مهووس بإعادة انتخابه. والآن بدأ يدفع الثمن.
