تتعدد على امتداد العالم الآن الفعاليات التي تدور حول الذكرى السنوية العاشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تلك الأحداث التي يسود الاعتقاد بأنها غيرت العالم.

وتأثير الهجمات تلك ماثل للعيان إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الوضع في منطقة آسيا، الغربية والوسطى، فأفغانستان تكافح لتأمين مقومات الحياة، والعراق مدمر، وباكستان تقترب من حافة كارثة يمكن أن تصبح شديدة الوطأة.

وفي 1 مايو الماضي، تم اغتيال العقل المدبر المفترض لجريمة الحادي عشر من سبتمبر، أسامة بن لادن، في باكستان. وتداعيات الحدث في باكستان كانت تأجيج العداء المتفاقم أصلا ضد أميركا، حيث صب هذا الحدث المزيد من الزيت على النار.

وفي تعليقه على الأوضاع في المنطقة، كتب أحد الاختصاصيين البارزين في شؤون باكستان، وهو المؤرخ العسكري البريطاني أناتول ليفين يقول: "إن الحرب في أفغانستان تضرب استقرار باكستان، وتدفعها نحو التطرف، مما يهدد بكارثة جيو- سياسية للولايات المتحدة والعالم"، مضيفا إن الباكستانيين بمختلف شرائحهم يتعاطفون بأغلبيتهم الساحقة مع أفغان طالبان، ليس لأنهم يشعرون بالود تجاههم، بل لانهم ينظرون إلى طالبان "كقوة مقاومة شرعية ضد احتلال أجنبي "، تماما كما كانوا ينظرون إلى المجاهدين الأفغان إبان مقاومة الاحتلال الروسي في الثمانينات.

ويشارك قادة الجيش الباكستاني هذه المشاعر، حيث يمقتون بشدة الضغوط الأميركية لدفعهم نحو التضحية بأنفسهم في حرب واشنطن ضد طالبان. وتثير الهجمات الإرهابية التي تحدثها حرب الطائرات الموجهة عن بعد من قبل الولايات المتحدة وباكستان والتي تصاعدت وتيرتها إثر مجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى سدة الرئاسة، مزيدا من المرارة ، كذلك المطالب الأميركية القاضية بقيام الجيش الباكستاني بنقل حرب واشنطن إلى المناطق القبلية من باكستان، التي تركت وشأنها حتى أيام الحكم البريطاني.

والجيش هو المؤسسة التي تنعم بالاستقرار في باكستان، والتي تحفظ تماسك البلاد، لكن الممارسات الأميركية، من وجهة نظر ليفين، قد "تحث على تمرد قطاعات من الجيش، الأمر الذي سيؤدي بالتأكيد إلى انهيار الدولة الباكستانية بسرعة وما يلي ذلك من كوارث".

وتكمن هذه الكوارث وتزداد وطأتها في ظل ترسانة باكستان الضخمة المتزايدة باضطراد من الأسلحة النووية، ووجود الحركة المتشددة القوية في البلاد. وهذان الأمران يشكلان التركة التي خلفتها إدارة ريغان التي تظاهرت بأن لا علم لها بقيام الرئيس الباكستاني السابق ضياء الحق بتطوير أسلحة نووية. والكارثة أن التقاء هذين الإرثين قد يؤدي إلى تسرب مواد انشطارية إلى أيدي المتشددين. وقد نشهد حينها أسلحة نووية، والأكثر ترجيحا، انفجار "قنابل قذرة" في لندن ونيويورك.

ويلخص ليفين الأوضاع كالآتي: «إن الجنود الأميركيين والبريطانيين يلقون حتفهم في أفغانستان بهدف جعل العالم أكثر خطرا للشعبين الأميركي والبريطاني".

وبالتأكيد تعي واشنطن أن عملياتها في إطار ما يسمى "أفباك" أي أفغانستان باكستان، يمكنها أن تضرب استقرار باكستان وتدفعها نحو التطرف.

والوثائق الأبرز لموقع "ويكيليكس" التي تم تسريبها هي البرقيات التي بعثتها السفيرة الأميركية آن باترسون من إسلام أباد، والتي تحذر من: "خطر ضرب استقرار الدولة الباكستانية وعزل الحكومة المدنية والقيادة العسكرية، وإحداث أزمة حكم في باكستان، وتهريب مواد انشطارية ".

ولقد لاحظ عدد من المحللين أن ابن لادن حقق بعضاً من النجاحات الرئيسية في حربه على الولايات المتحدة. يكتب أريك مارغوليز في "أميركان كونسرفاتيف": "لقد شدد بن لادن مرارا على أن الطريقة الوحيدة لإخراج الولايات المتحدة من العالم الإسلامي وهزيمة حكامها هي جر الأميركيين إلى سلسلة من الحروب الصغيرة المكلفة مما يؤدي إلى إفلاسها".

وعلى ما يبدو، فإن واشنطن تعمل جاهدة على تحقيق أمنيات ابن لادن منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

في كتابه "السقطة الاستعمارية" يشرح مايكل تشوير، وهو محلل بارز في المخابرات المركزية الأميركية، قائلاً: "لقد كان ابن لادن دقيقا في إبلاغ أميركا بأنه يعمل على تغيير جذري في الموقف الأميركي والغربي تجاه العالم الإسلامي"، ولقد حقق أهدافه إلى حد بعيد.

ويضيف: "إن قوات الولايات المتحدة وسياساتها تعملان على تعميم حالة التطرف في العالم الإسلامي، وهو الأمر الذي كان أسامة بن لادن يحاول القيام به منذ بداية التسعينات. ونتيجة لذلك، فإن من المنصف الاستنتاج بأن أميركا تبقى حليفة ابن لادن الوحيدة حتى بعد وفاته.

ويطرح تتابع الأحداث المروعة خلال العقد الماضي تساؤلا عما إذا كان هناك بديل لرد فعل الغرب على هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟

ان معظم الحركات المتشددة لديها انتقادات واسعة ضد ابن لادن، وكان يمكن أن تنشق وتضعف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لو تم التعامل مع هذه "الجرائم ضد الإنسانية" كما وصفت حينها عن حق، بوصفها جرائم تتطلب عملية دولية لإلقاء القبض على المشتبه بهم، وكان هذا أمرا مقرا به في وقتها، لكن تم تجاهله في الاندفاعة نحو الحرب. وغني عن البيان أن ابن لادن كان قد أدين في معظم العالم العربي لدوره في هذه الهجمات.

وحتى الحقائق الأكثر جلاء في العقد الماضي، لا توحي انعكاساتها بالطمأنينة، عند الأخذ بالاعتبار تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما يخبئه المستقبل.