تحلّ الذكرى العاشرة لهجمات 11 سبتمبر، فيما واشنطن غارقة بمشكلات نوعية داخلية وخارجية. وضعها الاقتصادي متعثر ويهدّد بركود جديد ومديد، وتورطها في الخارج مفتوح على سائر الاحتمالات.
لكن رغم الانشغال الطاغي بهذه الهموم والمعضلات والاستحقاقات الضاغطة، بقي لهذه المناسبة حضورها الوازن، مع كل ما حمله من هواجس أمنية ثقيلة ومخاوف واستنفار وسيل من المراجعات والتقييمات والتحليلات التي ازدحمت بها وسائل الإعلام ومنشورات مراكز الأبحاث والدراسات وتوقعات الخبراء والمختصين.
فالحدث الإرهابي التاريخي الذي زرع في الذاكرة الأميركية، فرض تغييرات وتحولات على مفهوم الأمن وقوانينه ودور مؤسساته وتدابيره، كما على النظرة إلى الغير وبالتحديد الجاليات العربية والإسلامية في أميركا؛ ناهيك بالعلاقات الدولية والسياسة الخارجية تجاه منطقتنا بشكل خاص. كان من المتوقع والمفهوم أن تعقب 11/9 رفع درجة التحوط والحذر في الساحة الأميركية. لكن الردود التي توالت خلال الأعوام العشرة الماضية، تجاوزت في أحيان كثيرة هذه الحدود.
كثير منها وقع في المبالغة بل التحامل. عموماً، جرى التعامل مع الآخر من باب انه متهم حتى تثبت براءته بما يجافي الضمانات التي كفلها الدستور. ثم جاء الرئيس باراك أوباما وعمل على تلطيف بعض جوانبه لكن من دون أن يقوى على مواجهة تعبيراته بصورة تضع الأمور في نصابها الصحيح. وتجلّى هذا التوجه في ثلاث نواح رئيسية: التشريعات التي ضيّقت على الحريات، الخطاب الإعلامي السياسي، ومحور السياسة الخارجية.
«القانون الوطني»
الأول تمثل في صدور «القانون الوطني» في اكتوبر 2001 والذي أباح إطلاع الجهات الأمنية على خصوصيات كانت خارج المجهر الأمني، مثل الهاتف الشخصي والبريد الالكتروني والحساب المصرفي والسجل الصحي. كما أزاح الكثير من القيود على جمع المعلومات والتجسس على أفراد مقيمين في الولايات المتحدة وتوقيف وترحيل مهاجرين مشتبه بعلاقتهم بأعمال إرهابية؛ مع التوسع في تحديد معنى الإرهاب. نصّ مفتوح على تفسير عريض وطبعاً موجه عموماً نحو العرب والمسلمين في أميركا.
تطبيق هذا القانون أدّى إلى استهداف مع اتهام هذه الجاليات بأنها لا تتعاون مع الجهات الأمنية لكشف المحاولات الإرهابية قبل وقوعها. كما أن هناك جدلاً أثاره موضوع التعذيب أو ما سمي بـ«التكنيك الخاص» للعناصر المشبوهة أو المتهمة التي يلقى عليها القبض، بغرض حملها على إفشاء أسرار أو انتزاع معلومات منها تفيد في إحباط عمليات إرهابية وكشف خلايا نائمة. أخذ هذا الأسلوب الكثير من الأخذ والردّ. بقي موضع خلاف بين المتشددين الذين أشادوا بفعاليته ومنهم نائب الرئيس السابق ريتشارد تشيني الذي دافع بشدة عنه في كتابه الصادر قبل أيام؛ وبين المحذرين من عواقبه.
وفي هذا الإطار تكشف مؤخراً أن «سي آي إيه» احتفظت بمعلومات كانت بحوزتها بخصوص اثنين من فريق هجمات 11/9 ولم تضعها بتصرف «إف بي آي» الذي كان بإمكانه إحباط العملية لو اطلع عليها. الكلام ورد في كتاب على وشك الصدور لمسؤول سابق في المكتب يدعى علي صوفان، أميركي- لبناني. وتحاول الوكالة حذف هذا الزعم من الكتاب قبل نزوله إلى المكتبات، بحجة أنه يتناول أمورا تتعلق بالأمن القومي.
محور ثانٍ
المحور الثاني كان الأبرز من خلال خطاب التخويف من العرب والمسلمين والتحريض الفاقع ضدّهم. حملة تهويش وتشويه بلغت ذروتها طوال العام الماضي قادها عتاة اليمين من «حزب الشاي». جوقة عزفت على وتر الدعوة إلى استنفار الجهود والطاقات للدفاع عن أميركا؛ بزعم أنها «في خطر من هجوم إسلامي»، على حدّ تعبير الداعية بيلي غراهام الابن، أو بذريعة أنها «مهدّدة بحكم الشريعة» كما دأب رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش على الترويج.
وقبل أشهر خرج إلى العلن موضوع المركز الإسلامي المقرر بناؤه في مدينة نيويورك. ثم في مطلع الربيع الماضي، قرّر رئيس لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب، وهو جمهوري، عقد جلسات تستمع لجنته خلالها إلى شهود وخبراء وجهات أمنية لتعطي ما لديها من معلومات بخصوص «مدى التطرف في صفوف الجاليات الإسلامية في الولايات المتحدة ومدى تعاونها مع السلطات الأمنية ضدّ المتطرفين».
محور ثالث
المحور الثالث المتعلق بالسياسة الخارجية ومدى تأثير 11/9 عليها، تناوله المحللون والباحثون بكثير من المراجعات والتقييم والدراسات، تقاطعت في معظمها عند خلاصات مختلفة. منها ما يرى بأن ما تغيّر بعد الحدث هو «التصويب» وليس التوجّه العام، القائم على التفوق مع اللجوء إلى حروب الاستباق المعروفة في السياسة الأميركية قبل الرئيس السابق جورج بوش.
كما يقول مالفين لافلر، أستاذ التاريخ في جامعة فيرجينيا. كان التركيز على الصين وروسيا، فصار على الإرهاب. في المقابل يرى آخرون بأن سياسة الحروب أدت «منذ 2002-2003 إلى إضعاف موقف أميركا في حربها على الإرهاب». فما تحقق، قابله «تحوّل القاعدة إلى حركة عالمية، فضلاً عن بروز النفوذ الإيراني في المنطقة»، بحسب ما جاء في تقرير صدر العام 2008 عن مركز «الدراسات الخاصة بالقضايا الإستراتيجية وشؤون الموازنة».
