استوقف التصعيد الأميركي الأخير ضدّ دمشق سائر المراقبين والمتابعين للحدث السوري في واشنطن. لغته الحادة القاسية وكذلك تصويباته وخطواته بدت كعنوان لنقلة نوعية ترمي إلى التعامل مع الأزمة السورية وفق سيناريو مشابه للذي جرى اعتماده مع ليبيا في البداية بهدف تشديد الحصار على النظام وزيادة عزلته.

 فإدارة أوباما تبدو وكأنها غادرت موقفها الرمادي باتجاه التأزيم مع نظام بشار الأسد. وألمح مسؤولون إلى سلسلة إجراءات لاحقة، كاستدعاء السفير الأميركي في دمشق وتكثيف التحرك لاستصدار قرار من مجلس الأمن بتدويل العقوبات.

وإن كان من الصعب في الوقت الحالي تمرير هذه الخطوة في المجلس، فقد كانت مثل هذه الصعوبة قائمة في أول الأمر بالنسبة إلى ليبيا ثم تغيرت المواقف مع تغيّر المشهد على الأرض.

وكان من اللافت أن يتزامن رفع وتيرة الضغوط على سوريا مع آخر فصول الانهيار لنظام معمر القذافي، وكأن في ذلك إشارة تفيد بأن لحظة الاستدارة نحو الأزمة السورية والتفرغ لها قد حانت، مع الخلاص من العقيد وتواريه عن المسرح.

العقوبات التي فرضتها واشنطن مؤخراً على مسؤولين كبار في النظام السوري رسالة تصعيد دبلوماسي واضح. استهداف وزير الخارجية وليد المعلم وسفير دمشق في بيروت لا يخطئ هذا القصد. الزعم بأن اختيار المعلّم جرى ردّاً على ممارساته ولجوئه إلى «الكذب» بدا أقرب إلى المزحة. فالمعلم ليس تلميذ مدرسة لمعاقبته على كذبة في حال حصولها.

اختياره، بحسب قراءات مراقبين، رسالة بغرضين الاول «استدراج ردّ سوري يدفع بالعلاقات إلى قطع ما تبقّى من شعرة معاوية بين العاصمتين». والثاني «إرسال إشارات خضراء إلى الداخل وزرع الارتباك في صفوف رجالات السلطة لخلخلة تماسكها». وفي هذا الخصوص، حظى فيديو استقالة مدعي عام مدينة حماة بالكثير من الأضواء والترحيب في واشنطن، التي رأت فيه تطوراً تراهن على توسّع دائرته على غرار ما جرى في ليبيا.

 

خيار العقوبات

بموازاة ذلك، تنظر واشنطن في خيار العقوبات الدولية على سوريا. فهي دخلت في نقاش مع الامم المتحدة بشأنها كما قالت الناطقة باسم وزارة الخارجية فكتوريا نولاند في ردّها على سؤال «البيان».

وأكّدت مصادر في الأمم المتحدة بأن إدارة الرئيس باراك أوباما بدأت تعمل على تحريك مشروع القرار الدولي المجمّد في مجلس الأمن بفعل الاعتراض الروسي والصيني ومعهما دول أخرى مثل البرازيل وجنوب أفريقيا والهند.

وتضيف المصادر بأن الأمين العام بان كي مون «يعمل الآن كوسيط لجسر الفجوة بين الدول الأعضاء في المجلس والخروج بتوافق على قرار من المتوقع عرضه على التصويت في الفترة القادمة وربما قبل افتتاح الدورة العادية للجمعية العمومية في العشرين من الجاري».

وتبدي أوساط الإدارة تفاؤلها من باب أن موسكو كما الصين «باتت تشعر بالإحراج من تباطؤ مسيرة الإصلاحات السورية».

واكب ذلك ما صدر من تقارير عن منظمات حقوق الإنسان وآخرها تقرير منظمة العفو الدولية وما أبرزه من معلومات وانتهاكات حصلت مؤخراً في سوريا. ثمة ورشة ناشطة الآن لنقل سيناريو ليبيا، ما عدا الشق المتعلق بالتدخل العسكري، إلى سوريا. الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة تعقيد الوضع وفتحه على سائر الاحتمالات. ومنها المستبعد حتى الآن. مواصلة الانزلاق في الداخل محكوم بجرّ الساحة إلى المزيد من الانكشاف وبالتالي المزيد من التدخل في آخر المطاف.