لعل أهم ما يأمل به العراقيون من «الربيع العربي» والموجة الثورية التي تتجدد الآن في أنحاء عديدة من الدول العربية، هو الاستفادة من التجربة العراقية المريرة التي تميزت سلبا بعاملين «قاتلين» هما التدخل الخارجي، إضافة إلى القوى الإقليمية وتقسيم الشعب العراقي،والحكم في العراق، على أسس طائفية وعرقية، ما أعطى التغيير الذي حصل العام 2003، طابعا يوحي بان «على الشعوب العربية أن ترضخ للدكتاتورية، وإلا يحصل لها ما حصل للعراق والشعب العراقي من تدمير وقتل وفساد وانهيار كامل لما يمكن أن تسمى دولة».
والانكى من ذلك كله أن الوضع السياسي الذي أوجده الاحتلال في العراق لا يمكن إصلاحه سلميا أو دستوريا، كما أن إصلاحه بالطريق المعاكس لا يمكن أن يتم من دون خوض حرب أهلية من شأنها تقسيم العراق، وهذا ما أشار إليه ضمنيا رئيس الوزراء نوري المالكي من خلال اعترافه بان الدستور، الذي ساهم في وضعه، مليء بالألغام القابلة للانفجار في أي وقت.
فيتو طائفي
ويرى المراقبون السياسيون أن اشتراط موافقة أغلبية ثلاث محافظات على أي تعديل دستوري، يعني إعطاء «فيتو» للأكراد، بمحافظاتهم الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك، كما يعطي «الفيتو» لأي ثلاث محافظات ذات أغلبية شيعية أو سنية.
وفي نفس الوقت يعطي الدستور الصفة المؤقتة،باشتراطه إجراء تعديلات عليه لا تستثني أية مادة، ما يعني انه دستور مؤقت مرهون بالتعديلات «المستحيلة»، إلا ببقاء تدخل الجهة الأجنبية التي رعت وضع هذا الدستور،الذي تعترف جميع الكتل السياسية بفشله.
وما يقلق العراقيين في تأييدهم لحركات التغيير الشعبية العربية هو عدم وضوح البرامج السياسية لقوى التغيير، فهي اتفقت على أن أنظمتها فاشلة وغير عادلة، ولكنها لم تتفق على نوع الأنظمة التي تأتي بعد التغيير، وفي إمكانية ان تتكرر فيها مأساة العراق، رغم التساؤلات فيما اذا كانت أخذت العبرة والدرس مما جرى ويجري في العراق لتفادي حصوله في بلدانها.
باكستان وتركيا
وبحسب المحلل السياسي صادق كاظم: «بعد مرور مدة ليست بالقصيرة على نجاح الثورة الشعبية في مصر وتونس وإسقاط أقوى نظامين بوليسيين في المنطقة، لا تبدو ملامح مرحلة ما بعد سقوط هذين النظامين واضحة، حيث تسود الضبابية وغموض المواقف، إضافة إلى تغيير مواعيد إجراء الانتخابات البرلمانية المرتقبة أكثر من مرة». ويضيف: «من الواضح أن رجال المؤسسة العسكرية في تونس ومصر ينتظرون قراءة الوضع الميداني بدقة قبل أن يسمحوا بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية».
ويقول: «يفضل القادة العسكريون، الذين التزموا الحياد خلال الأزمة في تونس ومصر، السير في السيناريو التركي والباكستاني، الذي يسمح بانتخاب رئيس للبلاد أو رئيس للوزراء، إضافة إلى مجلس نواب منتخب، على أن يكون خاضعا لرقابة المؤسسة العسكرية التي لها امتيازاتها ومكاسبها ونفوذها المستقل».
وعلى الرغم من ترجيح الكثير من المراقبين لهذه الفرضيات، إلا أنها تختلف كليا عما في العراق، الذي تخلص من «توريث الزعامات» لكنه انتقل إلى «توريث الموارد» التي أصبحت تتحكم بها القيادات السياسية. وهنا يبدو الفارق واضحا، وهو أن هدف الثورات في «الربيع العربي» ليس المطالبة بإصلاحات سياسية فقط، بل تنفيذ برامج تنموية حقيقية.