المسافة الفاصلة بين مكان الاجتماع الذي طلب الناشطون الحضور اليه تبتعد عن نقطة اللقاء في الشارع حوالي عشرين دقيقة مشيا على الأقدام. ويطلب المرشد الى مكان اللقاء إغلاق جهاز الهاتف المحمول ونزع البطارية والشريحة قبل المتابعة الى مكان الاجتماع وسط العاصمة دمشق خوفا من أي تنصت أو تتبع. يعتقد الناشطون أن السلطات السورية باتت تستعين بخبرات خارجية عالية الكفاءة، يعتقد أنها إيرانية، للتنصت والرصد والمتابعة الالكترونية بما يشمل شبكة الانترنت التي تديرها الحكومة أو شركة الاتصالات «سيرياتل» العائدة إلى رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد.

وتقول زوجة احدى الناشطين انها تبقى في المنزل كونها حاملا، فيما يشارك الزوج بشكل منتظم في التنظيم والسير في التظاهرات الاحتجاجية داخل العاصمة كما الضواحي المجاورة والريف. وتقول الزوجة إنها على الرغم من خوفها الشديد على زوجها بسبب القتل والاعتقال الذي يتربص بالمشاركين بالاحتجاجات بشكل دائم، إلا أنها ترى في مشاركته «واجبا وطنيا وأخلاقيا وأبوياً حتى تنعم طفلتنا بغد آمن»، على حد تعبيرها. لا يبالي الزوجان بمستقبلهما الوظيفي في حال تغيير النظام الذي يوفر لهما وظيفتيهما.

ويقول الزوج: «نحن لسنا مرتزقة»، ويعني بذلك الشعب السوري بشكل عام، وأن ما يحلما به هو «غد بلا سلطة الأمن القمعية، وبلا فساد ومحسوبية؛ غد ينال فيه الإنسان حداً أدنى من الكرامة والعدالة الاجتماعية ويُغلق الباب نهائيا فيه أمام الاعتقال السياسي ومصادرة حرية التعبير والنقد والاحتجاج السلمي».

الزوجان الشابان كانا التقيا للمرة الأولى في تظاهرة احتجاجية اندلعت في حرم كلية الحقوق في دمشق تأييدا للانتفاضة الفلسطينية الثانية، وانخرطا منذ ذلك الوقت في النشاط السياسي المناصر للقضية الفلسطينية ولمختلف القضايا العربية، كاحتلال العراق والحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006 والحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة نهاية العام 2008. ويقول الزوج بلهجة لا تخلو من ثقة إن «الشعب السوري هو الحاضن الحقيقي لتلك القضايا العادلة، وسيبقى كذلك في ظل النظام وبعد رحيله». يصل الناشطون تباعا وفرادى «من باب الحيطة»، منهم ثلاثة سبق وأن اعتقلوا في أماكن وأوقات مختلفة في الاحتجاجات الأخيرة.

 

تعذيب وجرحى

يقول شاب دمشقي يعمل مهندسا في إحدى شركات الإنشاءات الخاصة أنه كان من المتحمسين بشدة للاسد، لكنه استبدل الحماس بالسخط بعدما لاقاه من تعذيب داخل السجن. وتحدث كيف راعه ما شاهده وسمعه بعد خروجه من المعتقل. وكان اعتقل أثناء مشاركته في تظاهرة بدمشق وأمضى فترة الاعتقال في مطار المزة العسكري. وابتدأت رحلة المعاناة منذ اللحظة الأولى التي ألقى فيها «الشبيحة» القبض عليه.

ويضيف أن رحلته إلى مطار المزة «كانت عنيفة بدورها، حيث استمر رجال الأمن في كيل اللكمات والصفعات له ويداه مقيدتان للخلف؛ وفور نزوله من السيارة جرى حجب نظره بغطاء خاص على العينين وألقي به في ممر بأحد الأبنية داخل المطار، حيث تواجد غيره من المعتقلين.

وأمضى في الممر أسبوعا لم يتوقف فيها ضربه وزملاءه من قبل السجانين والمارين لحظة واحدة». ويعمل الشاب السوري حالياً على توثيق ما يجري في دمشق ومحيطها من قتل وسحب، ويؤكد على وجود ما يسميه «فظائع مرعبة» وقعت بحق متظاهرين جرحى سحبوا من المشافي المدنية واقتيدوا لمشفى «تشرين» العسكري. والأخطر برأيه، «هو المعلومات التي تتداول عن حالات إعدام بالرصاص ووضع الجرحى في ثلاجات الموتى وهم يحتضرون».