هي قصة عتيقة، حاكتها المياه وطرّزتها السنيــــــن: مــــــعارض مفــــــتوحة تحت تلال من الغابات، تماثيل وقباب ومنحوتات، أبواق وبيادق وأعـــــــمدة عملاقة، ثريّات وستائر موشاة بالتبــــــــر البرّاق أو أطياف حيوانات ونباتات، وحتى وجوه إنس، إذ لا فرق في حسابات مغارة جعيتا (لؤلؤة السياحة اللبنانية) التي دخلت في التصفيات النهائية لعجائب الدنيا السبع متنافسة مع 27 موقعاً عالمياً بعد خوضها التجربة مع 441 موقعاً منذ 2008، وسيجري إعلان الموقع الفائز في نوفمبر المقبل.
هذه المغارة المتربّعة على مساحة 2130 متراً في قلب وادي نهر الكلب أو نهر أدونيس في منطقة كسروان جبل لبنان، فما يشغل بالها هو ردّ الجميل لقطرات الماء الكلسيّة المترسّبة من أعالي جبال لبنان، على مدى ملايين السنين، والتي صاغت وجودها نحتاً قلّ نظيره وعالماً من التكوينات العجيبة، نوازل وصواعد تشبه أضراس التنّين، راسمة لوحات سيرياليّة رائعة التشكيل، كلسيّة وبلّوريّة وملحيّة، كلما توغّلت فيها باحثاً عن جديد يضيع بك الخيال أو تضيع به! عام 2008، اجتازت مغارة جعيتا الامتحان الأصعب، واختيرت من ضمن 28 موقعاً طبيعياً حول العالم، من أصل 441 موقعاً في 222 دولة، تتنافس على حجز مكان واحد بين عجائب الدنيا السبع. ومنذ ذلك التاريخ، وما زال هذا الموقع الطبيعي يخوض (حرباً ضروساً)، وصلت حالياً الى المرحلة الأخيرة من التصفيات في مواجهة 27 موقعاً منافساً.
تماثيل بوذا
وفكرة (عجائب الدنيا الســــبع الجديدة) بدأت عام 2001، عـــــقب تدمير حركة (طالبان) تماثيل بوذا الضخمة. حينها، أطلق الكندي برنار ويبر حملة من أجل ترميمها، وأسّس شركة (عجائب الدنيا السبع الجديدة) لنشر التوعية على أهمية الثروة الإنسانية وضرورة المحافظة عليها. ولاحظ ويبر أن عجائب الدنيا السبع المعروفة اندثرت كلها ما عدا الأهرامات في مصر، وطرح فكرة اختيار سبع عجائب جديدة يختارها الناس بالتصويت عبر الإنترنت في كل دول العالم، بما يتيح لشعوب الأرض فرصة التعرّف على كنوز بعضها البعض من خلال المعلومات والصور التي ينشرها كل بلد عن موقعه المرشّح.
شهادة اليونسكو
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة الى أن الحملة بدأت خلال ربيع 2008 وتبارى فيها 441 موقعاً. انتهت المرحلة الأولى ببقاء 262 موقعاً، بينها مغارة جعيتا و(غابة أرز الرب) من لبنان، وتمّت التصفية لاحقاً الى 77 موقعاً، وبقيت مغارة جــــــعيتا على قائمة المنافســـة. في العام 2009، اجتمعت لجنة من الخبراء العالميين، برئاسة المدير العام السابق للأونيسكو فيديريكو مايور الذي سبـــــق أن زار لبنان وأعلن من وسط بيروت أن (آثار لبنان تخــــصّ الإنسانية جمعاء)، واختارت 28 موقعاً طبيعياً لم تصنعه يد الإنسان للتصفية النهائية كي يتمّ التنافس في ما بينها، ويكون التصويت لموقع واحد فقط. وتأخذ معايير التصنيف بالاعتبار الفرادة الجماليّة للموقع، تنوّعه ومميّزاته البيئيّة، تاريخه وعلاقته مع الإنسان، وموقعه الجغرافي، علماً أن التصويت حالياً بات في مراحله النهائية ويمتد حتى 11 نوفمبر من العام الجاري.
إطلالة مميزة
وفي انتظــــــار نتــــــائج التصويت، تبقى هذه المغارة (لؤلؤة السيـــــاحة اللبنانية)، وفق التسمية المتعارف عليها، فإبـــــداعاتها تطلّ على شاطئ البحر الأبيــــــــض المتوسّط، تهنأ بـ (سيـــــــّدة لبنان) على قمّــــــــة جبل حريصا، ترنو الى (متحف المشاهير) الذي يضمّ شخصيّات معاصرة (متحرّكة وناطقة) تتفرّج على آثار صخور نهر الكلب، تقترب من عراقة بلاد جبيل وعمقها التاريخي، وتأنس بـ (جارة العمر) بيروت التي لا تبعد عنها أكثر من 18 كلم.
بدء الحكاية
حكاية هذه المغارة تعود الى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، يومها، كشف أحد الصيّادين النقاب عن وجودها مصادفة، حينما دفعته حشريته الى أن يطلق النار من بندقيته داخل فوهة صخريّة، فسمع صدىً رهيباً قبل أن يسمع خرير ماء، وجاءت المصادفة التالية خلال رحلة قام بها المبشّر الأميركي وليام طومسون الى لبنان، العام 1836، فأكّد بعد سماعه الرواية التي كان يتناقلها أبناء البلدة أن للمغارة امتداداً جوفيّاً، استناداً الى الصدى الذي أحدثه إطلاق النار.
لكن الصدفتين أبقتا المغارة 133 عاماً في الإطار الاستكشافي على أيدي أجانب، الى أن جاء شهر يناير العام 1969، وأدخلها (النادي اللبناني للتنــقيب) في عالم السياحة، بعد تدشين قسمها العلوي (الجافّ)، إثر تأهيــــــله على يد النحّات اللـــــــــبناني غـسان كلينك، وذلك في احتفالية موسيــــــقية أعـدّها خصــــــــيصاً لهذه المناسبة الموسيقار الفرنسي فرنسوا بايل.
