عقب شهور من الهدوء النسبي عادت مشاهد العنف والتفجيرات الدموية في الأيام الماضية إلى الساحة الجزائرية واستهدف احدها في عملية انتحارية ثكنة عسكرية في الجزائر مما ادى الى مقتل ما لا يقل عن 11 شخصا في واحدة من أدمى الهجمات في الجزائر في السنوات الاخيرة.

ويشكك البعض في مقولة عودة العنف إلى الساحة الجزائرية، ويقولون: إن سقف العمليات المسلحة منذ عدة سنوات لم ينخفض عما هو عليه الآن، وأن كل ما في الأمر أن السلطة تمكنت، في فترة زمنية محددة، من لفت الأنظار عن العمليات المسلحة، ونجحت في التكتم عليها، وهاهي قد عادت لتظهر من جديد.

وحسب عدد من المراقبين، فإن هذه المزاعم ينقصها الكثير من الدقة، فبالرغم من استمرار العمل المسلح المعارض للدولة، حتى في أزهى مرحلة من قانون الوئام المدني، فالعمليات الانتحارية التي لا تدل أبدا على قوة التنظيم بل تدل على ضعفه واتجاهه نحو الانتحار، كما تؤشر أحيانا على تهاون أمني ربما بسبب الثقة المفرطة في النفس أو استغلال بعض الانفراج في حرية التنقل من طرف عناصر ليست معروفة لحد بعيد لدى المصالح المعنية، لأنه لا يعقل مطلقا أن تتم مراقبة كل مركبة تدخل العاصمة عبر الطرق السريعة، ولا يمكن أيضا الإحاطة الاستعلاماتية الشاملة بحيثيات الإمداد والتخطيط لدى عامة الناس ممن لا تلاحقهم أي شبهات.

ويؤكد عدد من المحللين ان المعالجة التي أدت إلى دحر العنف في المرحلة الماضية، لم تكن معالجة ذات نفس طويل، بل كانت معالجة قصيرة النفس، تعمد إلى التعامل مع أعراض المشكلة لا مع أسبابها العميقة. وقد نجحت تلك المعالجة في إسكات صوت العنف لمرحلة محددة، لكنها لم تستأصل أسبابه من جذورها. فالدعوات الرامية لإدخال تعديلات على مشروع المصالحة، تبدو فاقدة للقوة بسبب التضارب الواضح بين الجهات التي ترفع أصواتها بذلك. فالمحافظون والإسلاميون يركزون على رفع الحظر السياسي عن «الإنقاذيين» والاهتمام بإدماج «التائبين» في المجتمع أكثر ومنحهم حقوقهم المدنية.

والعلمانيون من ناحية أخرى يشددون على عدم التسامح مع المسلحين السابقين وحصر التعامل معهم في الجانب الإنساني فقط. وأمام المعسكرين يجدد الرئيس بوتفليقة كلما دعت الفرصة تمسكه بمشروع المصالحة، متسلحاً بالنسبة الكبيرة التي منحها إياه الشعب الجزائري في استفتاء سبتمبر 2005 لتبني المشروع.

وليس أمام قادة الجزائر في مثل هذا الوضع إلا الإقدام بجرأة على مراجعة الخيار الأمني، باعتبار أن نتائجه في السنوات الماضية في محاربة الإرهاب لم تكن سوى نتائج مؤقتة لا يمكن الاطمئنان إليها كثيرًا، وأن خيار الحل السياسي الشامل هو الخيار الوحيد القادر على علاج الأزمة الجزائرية في تعقيداتها، وذلك من خلال تجنيد كل طاقات الجزائريين بدون استثناء للخروج من الأزمة المتفاقمة.