تنشغل المعارضات السورية التقليدية هذه الأيام بموضوع تمثيل الداخل، أو التحدث باسمه. فالعقوبات الغربية على النظام، ومن ثم الدعوات الغربية لتنحي الرئيس بشار الأسد، خلقت انطباعاً لدى هذه المعارضات، وخصوصاً المقيم منها في الخارج، بأن الغرب يبحث عن طرف للتحدث معه، على الرغم من أن التصريحات الغربية لا تزال حذرة بشأن التعاطي مع هذه المعارضة التي تتسم بقدر كبير من التشظي وتباين البرامج وتناقضها.

فبعد سلسلة المؤتمرات التي عقدت في اسطنبول وانطاليا وبروكسل وباريس وبرلين، والتي لم تترك أي أثر على الثورة أو الشارع السوري ولا على الموقف الدولي، أتى الإعلان عن تشكيل عدد من الهيئات والمجالس الانتقالية التي يرى فيها هؤلاء المعارضون تجاوباً مع الموقف الدولي.

وينظر بعض المعارضين المستقلين في سعي هذه المعارضات لعقد الاجتماع تلو الاجتماع والإعلان عن تشكيل مجالس انتقالية نوعاً من الانتهازية التي تشير إلى استعداد للانقضاض على منجزات الثورة بل حتى والتكسب من ورائها.

داخلية وخارجية

ويقول المعارض أشرف المقداد إن «الجميع يدعي بلا استثناء أن لديه طلباً دولياً بتشكيل مجلس انتقالي، والجميع يدعي احتكار الداخل. البعض يدعي دعما تركيا والبعض الآخر دعما عربيا».ويرى المقداد أن هؤلاء «يعتقدون خاطئين أن مجرد ظهورهم على الشاشات يؤهلهم لقيادة الثورة ولا ننسى أن نضيف بالطبع الموقع الوزاري أو مجلس الشعب الذين يؤمنون أنه في الجيب بعد ذلك».

وتنقسم المعارضات السورية التقليدية إلى داخل وخارج، فالخارجية منها كانت قبل الثورة السورية تعيش حالة من الانقسام الذي يصل حد التخوين بسبب الموقف من المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وخصوصاً بعد العام 2008، عندما أعلن الإخوان المسلمون انسحابهم من تحالف «جبهة الخلاص» التي شكلوها مع نائب الرئيس السوري المنشق عبد الحليم خدام على خلفية عدوان غزة. وهو تحالف جعلهم يخسرون في ذلك الوقت حلفاءهم من المعارضين اليساريين ذوي الحضور الإعلامي الذين يرون في خدام شريكاً في جميع مفاسد النظام، بحسب تعبيرهم.

وأخذت هذه القضية حيزاً كبيراً من المعارك عبر الصحف والمواقع الالكترونية كانت كفيلة وقتها بالإعلان عن موت المعارضة التقليدية الخارجية.

أما المعارضة التقليدية الداخلية، فبحكم اعتيادها على الحياة السرية والعيش تحت الأرض بسبب حالة القمع التي عانتها خلال الاعوام الثلاثين الماضية، باتت تشعر بالحذر أمام أي طارئ في الحياة السورية، وظلت إلى فترة قصيرة لا تطالب بإسقاط النظام بل تدعو إلى إصلاحه بالحوار والحصول على بعض المكاسب الديمقراطية التي تعد «العلنية» واحدة من أهم بنودها.

 

حركة الشارع

غير أن حركة الشارع المتصاعدة وتسارع خطوات الحل الأمني جعلها تلهث وراء الحدث دون أن تصل إليه. فكانت الثورة عملياً إعلاناً عن وفاة هذه المعارضة والتي تحاول الآن البحث عن مكان لها في الخارطة السياسية السورية عبر المشاركة في مؤتمرات في الداخل أو تأسيس هيئات تنسيقية لا تدعي تمثيل الشارع صاحب الزمام، ولكنها تحاول اللحاق به.

وبين لهاث معارضات الخارج خلف الموقف الدولي، ولهاث معارضة الداخل خلف الموقف الشعبي، تبدو سوريا الجديدة مقبلة على عصر سياسي جديد ينفض عن كاهله عبء الماضي الثقيل بشعاراته السياسية وقبضته الأمنية.