يبدو الرئيس السوري بشار الاسد محكوماً عليه بالفشل سياسيا ان لم يكن عسكريا. وكلما طال تشبثه بالسلطة عن طريق القوة زادت صعوبة تحقيقه تحولاً ديمقراطياً منظماً وإصلاح اقتصاد مدمر. ولا يظهر الاسد اي اشارة على استعداده للتخلي عن السلطة. ومن شأن وقوع انقلاب عسكري او تنافس بين عناصر من الجيش وقوات الامن ونخبة حزب البعث ان يكسر هذا الجمود.
ومن دون ذلك ستكون إراقة المزيد من الدماء حتمية فيما يبدو. لكن شخصيات معارضة مثل هيثم المالح، 80 عاما، تعرب عن ثقتها في ان سوريا بعد الاسد يمكنها التحول الى الديمقراطية وتجنب الفوضى التي مر بها العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة. وقال المالح لوكالة «رويترز»: «ليس لدينا أي خوف من استعداد الشعب لتولي السلطة». وأردف: «سوريا مختلفة عن العراق. العراق دمر. في سوريا هناك انتفاضة ديمقراطية شعبية والناس يجتمعون ويشكلون مجموعات من النشطاء واللجان ويستعدون».
زيادة العزلة
وعلى مدى الاشهر الخمسة الماضية، تحدى مئات الآلاف من السوريين الاعتقال والتعذيب والرصاص وحتى نيران الدبابات للمطالبة بسقوطه، لكنهم لم يستطيعوا اسقاطه حتى الآن. وبالمثل فشل جهاز الاسد العسكري والامني الذي تهيمن عليه الاقلية العلوية في قمع انتفاضة شعبية استلهمت الانتفاضات التي تجتاح اغلب العالم العربي. وتلعب دمشق على اوتار خوف بعض العلويين والمسيحيين والعلمانيين بين الاغلبية السنية في سوريا من احتمال سيطرة الاسلاميين على السلطة إذا انهار حكم الاسد، على الرغم من عدم رفع المحتجين شعارات اسلامية إلا فيما ندر. وربما تقنع زيادة العزلة الدولية بعض السوريين الكثيرين الذين وقفوا على الحياد خلال الاضطرابات بأن ايام الاسد في القصر الرئاسي باتت معدودة.
ويقول مدير «المعهد الالماني للشؤون الدولية والامنية» فولكر بيرتيس: «يحدث الأمر فارقا بالنسبة لبعض هؤلاء الناس وعلى الاقل زعماء العلويين الذين لديهم عقلية تآمرية ويعتقدون انه إذا حسم الاميركيون أمرهم بوجوب رحيل الاسد فحينئذ سيضطر الى الرحيل إن عاجلاً او آجلاً لذلك من الافضل بالنسبة لهم ان يتركوا السفينة قبل ان تغرق». وكان البعض يأمل ان يلعب وزير الدفاع السابق علي حبيب، وهو علوي، هذا الدور، حيث أقاله الاسد مؤخرا. وسواء اطاح به الجيش او جهة اخرى، فإن الشعب الذي يشن انتفاضة اودت بحياة ما لا يقل عن الفي مدني يريد انتقالاً الى حكم مدني ورأياً في مستقبل سوريا.
قادة جدد
وأفرزت الانتفاضة نفسها قادة جددا من الشبان والنشطاء الذين ينظمون الاحتجاجات سرا وينسقون فيما بينهم ويستخدمون الهواتف المتصلة بالاقمار الصناعية والانترنت لإرسال صور عن كفاحهم الى انحاء العالم. ويقول بيرتيس: «من اللافت للنظر ما حققوه في ابقاء الزخم ضد نظام مستعد لاستخدام القوة الكاملة في بيئة كانت دائما أكثر قمعا من البداية عن مصر في عهد الرئيس حسني مبارك». ويضيف: «أيها الدبلوماسيون في السفارات السورية في الخارج والوزراء التكنوقراط الجيدون، ابعثوا لهم بإشارة أن اتركوا هذه الحكومة ويمكن الاستفادة منكم في المستقبل»، موضحا ان سوريا «ليست دولة فاشلة مثلما كان العراق بعد الحرب».
وستواجه اي حكومة مستقبلية مهمة شاقة ألا وهي إنعاش اقتصاد كان يعاني من الضعف حتى قبل الاضطرابات التي قضت على النمو وخنفت الاستثمارات ودمرت قطاع السياحة الحيوي وزادت من عجز الموازنة.
وينوه بيرتيس: «حتى لو فاز الأسد عسكريا فسيخسر سياسيا بسبب عزلته»، مضيفا ان ذلك «لن يؤدي إلا الى تفاقم المشكلات الاقتصادية ويعطي الشعب الفقير العاطل مزيدا من الاسباب للخروج للشوارع».
وبالنسبة للمعلق رامي خوري المقيم في بيروت فلا يوجد امام الاسد من خيارات سوى «اختيار اسلوب خروجه وأحد هذه الاساليب يكون نتيجة اصلاحات شاملة وآخر عن طريق التفاوض مع المعارضة او معركة حتى الموت مع شعبه». وكتب خوري قائلا: «اذا اوقف فعلا العمليات العسكرية فإن زيادة اعداد المتظاهرين بعد ذلك ستطيح به من السلطة». واستطرد: «وإذا واصل استخدام القوة ضد مواطنيه فإن مزيجا من التمرد العنيد للشعب وزيادة الضغوط الاقليمية والدولية عليه ستطيح به أيضا من الحكم».