في بداية الثمانينات، عندما حسمت «سرايا الدفاع» وتشكيلات من الجيش السوري الصراع مع الاخوان المسلمين، أصدرت بلدية مدينة اللاذقية قرارات بتوسيع وتحديث شوارع حي الصليبة كلفتها مبالغ طائلة، ليكون الحي قابلاً للسيطرة ومؤهلاً لسير الدبابات في شوارعها مع عدم إغفال التبريرات الحداثوية حول تنظيم المدن.

وفي الأسبوع الماضي، أفادت تقارير مدعمة بالصور عن محاصرة الدبابات لحي الرمل الجنوبي الذي يضم مخيماً للاجئين الفلسطينيين يعرف باسم «مخيم الرمل» شعبياً، لكن أهل المخيم فضّلوا منذ البداية التسمية غير المتداولة وهو «مخيم القدس». إلا أن العملية الأمنية تلك أحيت مرة اخرى الذاكرة الفلسطينية المتألمة بشأن «تهجير المهجّرين» من «تل الزعتر» و«صبرا وشاتيلا» و«برج البراجنة» و«نهر البارد».

وبث ناشطون على الانترنت مقاطع مصورة تظهر فيها دبابات جاثمة في محيط الحي المترامي الأطراف، والذي يضم المخيم. لكن الجيش السوري فشل في اقتحامها على غرار ما فعل في مدن حماة ودير الزور وحمص ودرعا وادلب، إذ إن البناء العشوائي في الأحياء المعارضة والشوارع الضيقة المبنية على غرار النواة الأساسية، «مخيم الرمل»، أفقدت الدبابات وظيفتها الرئيسية في النزول إلى شوارعها. وجرت عمليات القصف من البر والبحر وسط تردد عناصر الأمن في تنفيذ عمليات أمنية بشوارع أشبه بمتاهات تمر بحي مثل «سكنتوري» المجاور للمخيم. وبهذه الطريقة تم دفع السكان إلى النزوح أولاً ومن ثم اعتقالهم على الحواجز الأمنية.

 

خدمات وتهميش

ويعيش عشرة آلاف فلسطيني هم سكان المخيم وسط 250 ألف سوري يعيشون في وضع مشابه من ناحية غياب الخدمات الاجتماعية. ويشكل ذلك أحد الأسباب الرئيسية في اختيار الطبقات المهمشة للسكن في هذا الحي المترامي، والذي يجاور مباشرة ميناء اللاذقية الحيوي الذي يتحكم بنشاطاتها رجال اعمال مقربون من السلطة. ومن بين الـ10 آلاف لم يتبق سوى 10 عائلات فلسطينية في المخيم، بحسب ما صرح به الناطق باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» كريس جانيسا الذي قال ان هذه العائلات «لم تتمكن من المغادرة لأسباب صحية»، متحدثاً عن فرار نحو 150 عائلة إلى مدينة حمص وسط سوريا.

 

مواقف التنظيمات

وجاءت مواقف التنظيمات الفلسطينية من قصف وتهجير سكان المخيم الذي تأسس العام 1952 متباينة إلى حد كبير وتعكس في مضمونها الانقسام السياسي القائم على أساس درجة القرب من دمشق. فقد نفى مسؤول في تحالف القوى الفلسطينية التي تتخذ من دمشق مقراً لها أن يكون المخيم قصف أساساً، حيث اشار الى العمليات العسكرية جرت في حيي «سكنتوري» و«قنينص» المجاورين. واستنكرت هذه الفصائل تصريحات «أونروا». وفي المقابل، شن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه هجوماً عنيفاً على السلطات السورية، متهماً إياها بارتكاب «جريمة ضد الانسانية».

ولم يقتصر هذا الانقسام على المواقف الرسمية فقط، حيث نظم فلسطينيون في مخيم اليرموك، أكبر المخيمات في سوريا، بدمشق اعتصاماً تضامنياً مع أشقائهم في مخيم الرمل، سرعان ما قابلها هجوم من عناصر تابعة لفصائل موالية للنظام السوري في ظل تعتيم إعلامي دقيق.

وبينما احجم فلسطينو سوريا حتى الآن عن اتخاذ موقف إزاء الانتفاضة، إلا ان تقارير متطابقة عن مشاركة فصائل فلسطينية موالية لدمشق في قمع الحركة الاحتجاجية وخاصة في دير الزور الأسبوع الماضي، يدفع بالكثير من الفلسطينيين إلى النأي بأنفسهم عن العمل لحساب النظام وقد تتم ترجمة ذلك إلى مشاركة فعلية في الحركة الاحتجاجية.