ما قاله وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو في بيانه الصحفي اول من امس، ينذر بفتح صفحة ملبّدة في الأزمة السورية. تكراره لمطلب «الوقف الفوري وغير المشروط» للعمليات العسكرية في كافة الأراضي السورية، إنذار صريح لدمشق. ويشي بأن أنقرة تعتزم اتخاذ خطوات نوعية ضدّ جارتها الجنوبية.

نبرة «طفح الكيل» واضحة في كلامه. الخطير فيها أنها تؤشر إلى تدويل قادم؛ إذا لم تتزحزح دمشق عن الخيار الأمني.

 وكل التقديرات والمؤشرات تقول إنها ماضية فيه. والأخطر من ذلك أن هذا التحوّل قد يكون، في ضوء التجاذبات والتدخلات الإقليمية والدولية؛ بداية صراع مكشوف يهدّد بتحويل سوريا من لاعب إلى ملعب. لغة الحزم في خطاب أنقرة هذا، غير مسبوقة إلاّ في التحذير الذي وجهه الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميرل إلى سوريا والذي اضطرها العام 1998 للتخلي عن زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان وطرده من أراضيها.

لكن مع مجيء أردوغان تبدّلت الأجواء وتحسّنت العلاقات. كادت توحي بأنها تسير باتجاه استراتيجي. لكن تعامل النظام السوري مع الانتفاضة أعادت الأحوال إلى ما سبق وأكثر بين أنقرة ودمشق.

 

ربط واتصالات

لقد ربط المراقبون بين رفع أنقرة لعيار حدّة خطابها وبين سلسلة الاتصالات والمشاورات المكثفة التي أجرتها حكومة أردوغان مع عدة عواصم. وبالتحديد مع واشنطن.

بل ثمة من يتوقع أن تفجّر هذه الأخيرة القنبلة التالية بعد أوغلو بدعوة الرئيس السوري إلى التنحي. دوائر وجهات أميركية نافذة، في أوساط أهل الرأي والكونغرس؛ طالبت الرئيس الاميركي باراك أوباما مراراً وتكراراً إلى اعتماد مثل هذا الموقف ومخاطبة دمشق بعبارة «على الرئيس أن يترك» التي سبق وخاطب بها العقيد الليبي معمر القذافي صراحة والرئيس المصري السابق حسني مبارك مداورة. لكن البيت الأبيض نأى عن ذلك برغم الضغوط.

تصريحات كبار المسؤولين في إدارته، خاصة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، لامست مؤخراً تخوم هذه العبارة. وكأنها تدنو من هذه النقطة، التي يرى البعض أن ظروفها قد حانت الآن. وما التصعيد التركي سوى المؤشر الواضح في هذا الخصوص.

 

منطقة عازلة

وفي تفسير هذا التصعيد، يرى محللون أن المسألة تتعدّى مجرد المطالبة بوقف العمليات والإسراع في الإصلاحات؛ على أهمية وجدارة مثل هذه الخطوات وضرورة الالتزام بها. حصلت انتهاكات أكبر في عواصم أخرى شهدت انتفاضات قابلتها السلطات برد فعل لا يقل عنفاً عن الذي اعتمدته دمشق.

وقد أدّى هذا العنف إلى سقوط أضعاف الضحايا الذين سقطوا في سوريا. مع ذلك لم تخرج الدبلوماسية التركية عن طورها. فلا هي غادرت ليونتها ولا دور الوساطة الهادئة التي عرفت عنها. هذه المرة اختلفت الأمور.

ولا بدّ أن هناك ما استدعى ذلك، وفق حسابات أنقرة. وفي هذا الصداد ثمة تلميحات حول دور إقليمي في الساحة السورية، استنفر تركيا وحملها على الانتقال من لغة الدبلوماسية إلى لغة الإنذار المبطّن. والخشية هنا أن حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وضعت بذلك صدقيتها على المحك وبما يضمر انها عازمة على ترجمة تحذيرها للنظام السوري بـ«كلمة أخيرة بأن العمليات يجب أن تتوقف فوراً وبدون شروط وإلاّ فلن يبقى ما نقوله بشأن أية خطوات لاحقة ستتخذ»، على ما جاء في بيان أوغلو.

تنبيه يستحضر سيناريو ترددت سيرته في واشنطن قبل أسابيع، حول منطقة عازلة قد تقيمها تركيا على الجانب السوري من حدودها مع جارتها. خيار يفتح الباب على دخول سوريا في نفق التمزيق وتحويلها إلى ساحة تقاسم وصراع على النفوذ في المنطقة.