في حين نظم أعضاء «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي» وقفة احتجاجية في بهو مبنى مجلس المستشارين مرددين نشيد الثورة ورافعين عدة شعارات تدعو إلى تطهير الحكومة وتحييد القضاء واستقلاليته ، يطرح الشارع التونسي اكثر من سؤال عن هويات هؤلاء الاعضاء و عن الدوافع الحقيقية لاختيارهم لعضوية الهيئة التي تحاول ان تصبح هيكلا تشريعيا يصنع مصير الشعب رغم انه غير منتخب.

و يخشى التونسيون من ان تكون «ثورة الياسمين» قد سُرقت من قبل «الاوصياء الجدد» الذين يحاولون اليوم تشكيل ملامح الحياة السياسية والاقتصادية و الاجتماعية و الاعلامية عبر مجالس وهياكل وجمعيات جرى توليدها من رحم العلاقات الشخصية بين بعض من كانوا معارضين لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي او من ركبوا قطار الثورة خلال الايام الاولى لمرحلة سيره ، في حين لا يرى اثرا للثوار البسطاء الذين فجروا الاحتجاجات وواجهوا آلة القمع بين 17 ديسمبر و 14 يناير الماضيين.

 

انقلابات انتهازية

و لعل من اغرب ما يميز المؤسسات المولودة من رحم الثورة في تونس ان بعض أعضائها كانوا من المتعاونين سرا و علنا مع النظام السابق وتحولوا إلى اشد المحاربين لرموزه وبقاياه في حالة تونسية فريدة، يساعدها على الانتشار ضيق الساحة والعلاقات المتشابكة بين مختلف الاطراف ورفض الدولة الدخول في مرحلة فضح المستور و كشف الحقائق عما كان يدور في كواليس النظام السابق، والتركيز فقط على ادانة الرئيس المخلوع وزوجته واقاربهما والمسؤولين الحكوميين البارزين في العهد السابق.

و يرى مراقبون ان تونس لن تدخل مرحلة تغيير جذري لعدة اسباب منها على الاقل تغييب النخب الحقيقية في البلاد بدعوى ارتباطها بالنظام السابق او بسبب انزوائها بعيدا عن صخب ادعاء «الثورجية» وظهور وجوه في مواقع القرار رغم افتقادها الرؤية و القدرة التحليلية والاطلاع على مشاغل التونسيين الحقيقية في مختلف مواقعهم و خاصة في المناطق الداخلية التي انفجرت منها الشرارة الأولى للثورة حيث مازالت القرى و الارياف والبوادي والمدن النائية خارج دائرة الاهتمام و الاستشارة والوعي بمشاغلها وظروفها الحقيقية وهويتها المختلفة تماما عن هوية العاصمة المفتوحة على النموذج الاوروبي و خاصة الفرنسي الذي تحاول مؤسسات زمن الثورة تكريسه و نسخه في تحديدها لمستقبل البلاد.

 

لغة الاقصاء

يضاف الى ذلك ان لغة الاقصاء مازالت مسيطرة في المشهد التونسي، حتى ان البعض يخشى من ان تكون تونس وقعت بين براثن مجموعة ذات توجهات ليست مختلفة فقط وانما متناقضة في اغلب الاحيان في ظل جوع المعارضين القدامى للمال والسلطة والنجومية تحت شعارات ثورية عاجزة عن تحقيق التواصل المطلوب بين الساسة و الشارع الذي تحول هو الاخر الى فسيفساء تونسية تتكون من قلة متظاهرين من اجل تصحيح مسار الثورة وبعض ممارسي العنف كنوع من التعبير عن الرفض، و بين اغلبية مازالت تختار الصمت في مواجهة الواقع الجديد مثلما اختارت الصمت في مواجهة فساد و ديكتاتورية نظام بن علي.

اما عن المسيطرين حاليا على الساحة فهم مجهولون لدى الشارع ، لذلك يسعون في كل ساعة و دقيقة لاصطياد اي خطأ تقع فيه الحكومة المؤقتة او احدى الجهات التنفيذية.