تخوض كل من الولايات المتحدة وفرنسا سباقا لحيازة نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي في تونس ما بعد الثورة. وإذا كانت فرنسا خسرت الجزء الاكبر من دورها التقليدي في تونس بسبب موقفها السلبي من ثورة الياسمين وإصرارها لاخر لحظة على دعم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، فإنها تسعى لتعويض ذلك بدعم اتباعها في الساحة التونسية ماديا واعلاميا وتثبيت حضورها الثقافي التقليدي.

اضافة الى دعمها المباشر للعلمانيين واليساريين وورثة الحقبة البورقيبية ممن يعلنون صراحة معاداتهم للتيار الديني الذي بات يحظى برضا الحكومة الأميركية بعد وساطات قامت بها اطراف عربية لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وإسلاميي تونس.

وبينما تطمح باريس الى ان يواصل رئيس الوزراء الحالي الباجي قايد السبسي قيادة العمل الحكومي الى حين ارساء دستور جديد للبلاد وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية عادية، ترى حكومة واشنطن أن الجيش التونسي قادر على أن يكون ضمانة للاستقرار الحقيقي مهما كانت نتائج انتخابات ٢٣ أكتوبر المقبل.

ويعود ارتفاع نسبة المساعدات الأميركية الى تونس لعدة اسباب منها ان واشنطن اضحت مقتنعة تماما بأن الثورة في تونس ما كانت لتكون لولا انحياز الجيش للشعب، يضاف الى ذلك ان الادارة الأميركية حولت سفارتها في تونس ايام ثورة الياسمين الى قاعة عمليات لرصد كل ما يدور في الساحة، وادركت ان مفتاح الازمة موجود في جيب الجينرال رشيد عمار، وليس في شارع الحبيب بورقيبة الذي كانت الجماهير الداعية الى سقوط نظام بن علي محتشدة فيه.

إلى ذلك، فإن واشنطن ادركت ان تونس ستبقى لأعوام طويلة في مرحلة نقاهة، وعلى اصدقائها ان يساندوها ويقفوا الى جانبها حتى لا تتعرض الى انتكاسة وخاصة في ظل واقع اقليمي معقد ومتذبذب تعرف واشنطن انه يمثل خطرا على المنطقة بأكملها، لاسيما مع ارتفاع نبرة المد الديني وحصول تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي على اسلحة متطورة بعضها مسروق من مخازن سلاح الجيش الليبي الحكومي وبعضها الاخر تسرب من مواقع الثوار في الجبل العربي وشرقي ليبيا بعد ان تبرعت به دول عربية واوروبية للمجلس الوطني الانتقالي.

زيادة المساعدات ويرى مراقبون أن دوافع رفع المساعدات العسكرية الأميركية الى تونس الى مستوى استثنائي هو قناعة واشنطن بان الجيش التونسي هو الضامن الوحيد حاليا لاستقرار البلاد رغم امكانياته المحدودة، وان تونس في مرحلة مقبلة ربما تتعرض الى هزات امنية حقيقية والى اخطار كارثية في حال انتقال نموذج الازمة الليبية الى الجار الغربي الجزائر الذي تتكاثر الاطماع حول امكانياته وثرواته وموقعه الاستراتيجي.

مما يعني ان اية فوضى تشمل ليبيا والجزائر معا ستجعل من تونس جسرا للازمات وربما «الارهاب» الذي اصبح للولايات المتحدة فكرة واضحة عن مدى تغلغله في شمال افريقيا ومنطقة الساحل والصحراء. اما فرنسا فهي تسعى باستمرار للبحث عن مصالح اقتصادية آنية وعن تغلغل ثقافي بعيد المدى.