المشهد السياسي الأردني بعد حكومة رئيس الوزراء معروف البخيت يختلف جذريا عن قبلها، ويتسيّد هذا المشهد الحراك الشعبي الذي سبق خطاه القوى السياسية.
المفارقة التي تشغل بال الكثير من المراقبين في بلد طالما فخر بأمنه واستقراره، أن إيقاع حراك الشارع الأردني لم يعد سياسيا نخبويا، بل اجتماعيا شعبويا. ولم تعد القوى السياسية ضابط الإيقاع فيه بل السائرة على أنغامه، وهو أمر بات يخيف الكثيرون، فإن الحراك الشعبي إذا استبق القوى السياسية فهذا أمر لا يمكن التكهن بعواقبه.
متغيرات أردنية
يأتي هذا القلق، بعدما أفرز الحراك الشعبي متغيرات فرضت وجودها حتى على النخب، وبات يرصدها الخبراء كل حسب موقعه. ففي الإعلام لاحظ المختصون تراجع مستوى الرقابة الذاتية لدى الصحافيين الأردنيين هذه الفترة عن الأعوام الماضية، إضافة إلى تراجع مستوى الحذر الذي كان ينتاب نشطاء العمل العام والفاعلين سياسيا في خطابهم السياسي.
الرقابة الذاتية
أما الصحافيون، فاستند المختصون إلى دراسة مسحية نفذها مرصد الإعلام الأردني بمركز القدس للدراسات السياسة أخيراً حول واقع الصحافة وحالة الحريات الإعلامية في الأردن، وأظهرت أن 86 في المئة من الصحافيين المستطلعة آراؤهم قالوا إنهم «يمارسون الرقابة الذاتية مقارنة مع ما نسبته 94 في المئة في الاستطلاعات التي أجريت خلال أعوام ماضية. وأرجعت ذلك إلى تأثر الإعلام الأردني والعاملين فيه بما يسمى «الربيع العربي» الذي قالت انه حطم الكثير من القيود المفروضة على حرية الصحافة.
مظاهر راديكالية
ويرى مراقبون أن الشارع الأردني تسوده مظاهر راديكالية جعلته يرفع من سقوفه المعهودة في انتقاده لسياسييه. وهو ما أشار إليه الكاتب الأردني فهد الخيطان في قوله إن «الأردنيين يسيطر عليهم مزاج راديكالي في الآونة الأخيرة، لم نعهده من قبل».
وبحسب الخيطان فإن «أجواء الربيع العربي أعطت لهذا المستوى من النقد مساحة أكبر، إلا انه أكد أن مظاهر الراديكالية تتجلى أيضا في حالة الشك السابق حيال كل خطوة إصلاحية تخطوها الدولة أو تنوي عليها». ويضيف أن «سبب ذلك في تآكل الثقة بمؤسسات الدولة، وتردي الأوضاع الاقتصادية لفئات واسعة في المجتمع، والشكوى من بعض قضايا الفساد».
ثمة أمر آخر، يلفت إليه الكاتب هو ما سماه «بطء تعاطي الدولة مع الحراك الشعبي». ويردف القول: «يأتي ذلك في ظل نداءات متواصلة من قبل حركات سياسية بات الشارع الأردني يصنعها بنفسه من دون انتظار النخب، وتظهر هذه الحركات كل يوم بأسماء جديدة، ومنها من وصفوا أنفسهم بـحركة طلائع سحابة الفرسان معان، الذين أصدروا بيانا أعربوا فيه عن خشيتهم من أن يضرب الشعب النائب ضربته القاضية، ففي حالة الأردن المتردية والصعبة اقتصاديا يجب الانتباه لأنها يجب أن تقود للحذر الشديد».
وبحسب بيان الحركة فإن «الأردن لن ينهض من وضعه الصعب إلا بتحرك سريع وحكومة إنقاذ ووقف الفساد ليتمكن الأردني من العودة للافتخار بنفسه». ويخشى مراقبون أن تكون سوء الأوضاع الاقتصادية مهداً لما يطلقون عليه «شرارة الفوضى». ويرون أن «المجتمع لم يعد محصنا كما كان سابقا».