عاد الملف العراقي من جديد إلى الواجهة، في واشنطن. مع اقتراب استحقاق الانسحاب، في آخر العام الجاري، وضعه على نار حامية. الإدارة الأميركية تستعجل البت بأمر استبقاء قوات أميركية هناك، بعد موعد المغادرة. تريد موقفاً واضحاً وسريعاً من الحكومة العراقية، بزعم أن ضيق الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل. وكأنها من جهتها، ليست راغبة بالأمر وليس لديها أي طموح سوى تلبية مشيئة الجانب العراقي وحاجاته الأمنية. لكن الواقع، خلاف ذلك.
الإدارة لا تقوى على المجاهرة بحقيقة موقفها، لأنه سبق للرئيس أوباما أن تعهد بالانسحاب التام مع نهاية ديسمبر المقبل. التراجع عن ذلك، عشية انتخابات الرئاسة؛ يؤذي حملته الانتخابية. خاصة إذا ما تواصل خلالها سقوط المزيد من الضحايا بين الجنود الأميركيين؛ كما جرى في الآونة الأخيرة.
ومن المؤشرات على الرغبة الأميركية في البقاء بعد الانسحاب، أن إدارة أوباما «تتساهل»، كما يرى المراقبون، مع حكومة المالكي لتشجيعها على اتخاذ القرار بإبرام الاتفاقية العسكرية مع واشنطن. من ذلك أنها غضّت النظر عن مسؤولية الحكومة، بخصوص العمليات التي حصلت مؤخراً ضدّ القوات الأميركية ووجهت إصبع الاتهام، على لسان رئيس الأركان الأدميرال مايك موللر وغيره، نحو إيران.
لكن مع زيارة وزير الدفاع الجديد ليون بانيتا إلى العاصمة العراقية بغداد بدأت اللهجة تتغير والضغوط تتوجه إلى الحكومة ورئيسها المالكي؛ من خلال تسليط الأضواء على ممارسات حكومية؛ أمنية وقضائية من شأنها تحريك حساسيات وإثارة متاعب لها في الداخل. فالناطق العسكري باسم القوات الأميركية في العراق تعمّد الإشارة إلى عملية قامت بها قوات عراقية في مناطق جنوبية، ليقول انها كانت شبه صورية. وكان في ذلك غمز من زاوية التمييز الذي تمارسه المراجع الأمنية عن قصد، بين المناطق العراقية.
كما يتعمد المسؤولون الأميركيون تسريب معلومات عن محاكمات وتوقيفات «صورية» تجري بحق متهمين ينعمون بتغطية رسمية أو هم محسوبون على خندق رئيس الحكومة. وكثيراً ما يجري تمرير مثل هذه المعلومات مع التعبير عن «الخيبة» من المرجعيات السياسية والقضائية العراقية. لكن أصحاب هذا الخطاب الضاغط يعترفون بأن الحكومة تعاني من الضعف والانقسام وبالتالي هناك قدر من العجز الذي يمكن تفهمه. الأمر الذي يطرح عدة تحديات، أبرزها كيفية التوصل إلى اتفاقية يمكن تمريرها. ثم كيفية تطبيقها. لذا يدور البحث الآن عن صيغة مموهة وتلبي الغرض، في آن.
وهناك أكثر من طرح يتراوح بين أن تعقد الاتفاقية بين الحكومتين من غير الرجوع إلى البرلمان وبين أن تقوم على أساس عقد مع البنتاغون لأغراض التدريب الخاصة بالقوات العراقية. وهناك صيغة أخرى ترددت سيرتها وتقوم على أساس أن القوات الأميركية الباقية تكون مهمتها تأمين الحراسة للطاقم الدبلوماسي الأميركي الكبير:
حوالي 17 ألفا من الخبراء والتقنيين ولاختصاصيين. كلها تثير إشكالات لناحية التطبيق. خاصة فيما يتعلق بوضع القوات الأميركية. فواشنطن تصر على وجوب تمكين هذه الأخيرة " من أخذ الأمور بيدها " إذا واجهت أية مخاطر. في حين يرى الجانب العراقي بأن ذلك مخالف للاتفاقية الأمنية المعقودة بين البلدين ولا يجوز إلا في حالة الدفاع عن النفس.
إدارة أوباما يهمها أن لا يبرز هذا الدور في الاتفاقية. يحرجها ويعطي خصومها ورقة ضده في الانتخابات. حكومة المالكي هي الأخرى لا تريد مثل هذا الحضور الذي وعدت برفضه. لكن كلاهما يقول للآخر من تحت الطاولة أن بقاء القوات الأميركية مطلوب" على حدّ ما يقول أحد العارفين.