شهدت الانتفاضة في ليبيا منذ اندلاعها في منتصف فبراير الماضي انشقاقات مستمرة للضباط عن النظام سرعان ما يعلنون انضمامهم إلى الثوار، رغم ما يحيط بهم من تهديدات من كتائب القذافي، ما يجعل بعضهم يتعامل مع المعارضة بطريقة سرية من خلال تسريب معلومات لها إلى حين ضمان سلامة أسرته.

ومن بين المنشقين العقيد عبدالسلام الثورة، الذي رفض الصعود على متن طائرة لقصف المدنيين قبل أن يتجسس لحساب الثوار أشهرا بعد ان وضع عائلته في مكان آمن وهرب من الجيش للالتحاق بالثوار في غرب ليبيا.

وما عبدالسلام إلا حالة واحدة من هؤلاء الضباط المنحدرين من جبل نفوسة الذين هربوا من الجيش النظامي للمشاركة في «حرب الحرية» متشابهة، والذين يتحدثون عن الشعلة التي تتقد فيهم منذ الايام الاولى للانتفاضة ويروون كيف جازفوا وعرضوا انفسهم الى الاعتقال والاعدام وقاوموا الأوامر فعزلوا، وكيف تجسسوا قبل الخطوة الاخيرة.

 

رفض قصف المدنيين

كان عبدالسلام (51 سنة) طيارا في اكاديمية سلاح الجو في مصراته (شرق طرابلس)، وقال: «عندما طلبوا منا ان نحلق ونقصف الثوار رفضت وقلت لا، فقاموا بتحقيق بشأني وهددوني بالسجن فبررت بأنني مريض».

وأضاف: «كنت اذهب بانتظام الى قاعدة معتيقة الجوية وأحيي الاصدقاء، وأجمع بعض المعلومات التي كنت ارسلها الى زملائي في بنغازي (شرق) الذين كنت على اتصال بهم، إلى أن بلغني ان اجهزة الاستخبارات تريد اعتقالي، فطلبت مأذونية ورحلت بسرعة».

من جانبه كان العقيد محمد عثيش (57 سنة) في جيش المشاة في المقر العام للجيش في منطقة الجفرة على بعد 600 كيلومتر جنوب شرق طرابلس مكلفا بالسهر على تحركات القوات والأسلحة والذخيرة، وسرعان ما عزل. وقال: «كانوا يعلمون ان بناتي الثلاث انضممن الى الثورة فلم يثقوا فيّ كما يشكون في كل الضباط المنحدرين من الجبال، بأننا ندعم الثوار».

وانضم العقيد عبدالسلام الى الثورة قبل اسبوعين والعقيد عثيش قبل شهر ونصف الشهر، وفي المجموع وضع نحو اربعين ضابطا منشقا انفسهم في خدمة القيادة العسكرية في رجبان (قرب زليتن في قلب الثورة بجبال غرب البلاد)، فيما وصل ثمانية منهم خلال الاسبوعين الاخيرين.

 

تحديات الانضمام

في هذا السياق، افاد القادة العسكريون في المنطقة ان معظم ضباط الجيش النظامي يريدون ان يسلكوا الطريق نفسه. لكن هذا ليس سهلاً لأنه يجب وضع العائلة في مأمن في مدينة محررة والحصول على رخصة لمغادرة القاعدة او البلدة التي أمروا بالبقاء فيها.

أما العقيد محمود العكرمي (51 سنة)، وهو من الثوار الاوائل، فيوضح ان وصول هؤلاء الضباط المنشقين الذين يحملون معلومات وخبرة، مرحب به في رجبان مع أنه قد يكون بينهم جواسيس مثل ذلك الضابط الذي اختفى بعد عشرة ايام.

وقال العكرمي ان «معظمهم ينحدرون من المنطقة. نعرفهم ونثق فيهم وفي كل معركة نرسلهم الى الميدان لتنظيم المقاتلين ومساعدتهم وإعطائهم ثقة».

ويقول هؤلاء الضباط ان العسكريين الذين لا يزالون أوفياء للعقيد القذافي يدفعهم الطمع في المال او باتت أيديهم مطلخة بالدماء ولا يستطيعون الرجوع الى الوراء، اما الآخرون فإنهم «خلال المعارك لا يقاتلون كثيرا ويفرون او يستسلمون».