في الوقت الذي كان يحتفل فيه الجنوبيون باستقلالهم حرصت صحف الخرطوم على توثيق حزن الشمال، بينما خلت شوارع العاصمة السودانية الخرطوم منذ الصباح من ازدحامها المعهود بالمارة، وبدا مركز الخرطوم خالياً تقريبا من الناس فالجميع لزموا منازلهم إلا من اضطرته الضرورة للخروج.

خليط من مشاعر الخوف والقلق خيمت على الخرطوم قبيل إعلان الاستقلال رسمياً ونشرت بعض الصحف ما قالت انه أحداث دموية ضمن مخطط تخريب ستشهده البلاد في هذه المناسبة، الأمر الذي نفاه مدير الأمن في اليوم التالي، مؤكداً استتباب الأمن.

ومع ذلك لم تشهد شوارع العاصمة السبت الماضي غير مواكب أنصار حزب منبر السلام العادل الذي يتزعمه الطيب مصطفى خال الرئيس عمر البشير وهم يحتفلون بالانفصال باعتباره «الاستقلال الحقيقي» للسودان في نظر الحزب الذي يعتبر في نظر الكثيرين احد واجهات الحزب الحاكم. وظل منتسبو الحزب يجوبون شوارع العاصمة بسياراتهم التي ترفع علم السودان ويهتفون ويوزعون الحلوى على المارة فيما ذبحت ذبيحة بدار الحزب بالمقرن ضمن احتفال خاطب فيه الطيب مصطفى متزامناً مع احتفالات جوبا.

 

مستقبل مجهول

المستقبل الذي تم تدشين مسيرته ذلك اليوم في الخرطوم وجوبا بالفرح والحزن معاً كان مصدر قلق المواطنين في الشمال، فهو مستقبل مجهول غير محدد الملامح والمعالم. فانفصال الجنوب لا يبدو انه يحقق السلام الشامل للسودان، إذ مازالت احتمالات الحرب قائمة بين الشمال والجنوب المستقل كما تشير اغلب التقارير وذلك رغم النوايا الحسنة والطيبة التي تبادلها الجانبان عشية الانفصال، ورغم اتفاق كير والبشير في أديس أبابا على مواصلة الحوار والتفاوض حول القضايا العالقة بعد التاسع من يوليو.

فالعلاقات بين شمال السودان وجنوبه تحتشد بالكثير من المواد الخلافية المتفجرة على رأسها قضية أبيي وترسيم الحدود وغيرها. وفيما يتهم الجنوب الخرطوم بدعم المليشيات المتمردة في ولاية الوحدة وجونقلي وأعالي النيل فإن الخرطوم لا تستبعد وجود أيادٍ للجنوب في التمرد الجاري في جنوب كردفان وفي دارفور.

ووضع التاسع من يوليو السودان على منعطف جديد، ولا يبدو ان الحكومة أكملت استعداداتها كما ينبغي لهذا اليوم، فالحكومة القومية لم تر النور بعد. إذ ان التوافق عليها لم يكتمل مع اكبر حزبين يتحاور معهما المؤتمر الوطني الحاكم في هذا الشأن هما حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي الأصل.

 

تحديات اقتصادية

غير ان أهم التحديات التي تواجه السودان بنتيجة الانفصال هي الأوضاع الاقتصادية التي ستتأثر بتناقص مساهمات الجنوب البترولية والزراعية من اقتصاد البلاد ولم تتضح حتى الآن ملامح البدائل التي اتخذتها الحكومة لمعالجة عجز الميزانية البالغ 2 ـ 3 مليارات دولار أميركي سنوياً بسبب فقدان عائدات البترول، ويتخوف المواطنون بشكل خاص من تفاقم الأوضاع المعيشية نتيجة موجة جديدة من الغلاء إذا ما قررت الحكومة اللجوء لفرض المزيد من الضرائب والرسوم على الخدمات والسلع.

حاجة للعون

ويحتاج السودان لعون من المجتمع الدولي لتجاوز هذه الأوضاع، غير ان علاقاته المأزومة بالخارج وخصوصاً مع الولايات المتحدة وأوروبا تضع الكثير من العراقيل أمامه، حيث اشترط صندوق النقد الدولي لتسوية ديون السودان الخارجية جملة من الشروط السياسية التي تتمسك بها أيضا الولايات المتحدة لتطبيع علاقاتها مع السودان ويمثل تطبيع العلاقات مع الجنوب وحل المشكلات العالقة معه تنفيذاً لاتفاق نيفاشا وتسوية الأوضاع المتأزمة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، بجانب تحقيق سلام دارفور مدخل السودان لاستعادة علاقته بالمجتمع الدولي والتي لن تكتمل في رأي بعض الأطراف دون التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.