يشهد العالم العربي اليوم، التاسع من يوليو، أكبر انفصال سياسي وجغرافي واثني يحدث في إحدى الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية.
فاليوم يحين موعد استحقاق الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان الذي صوت فيه نحو 98.83 في المئة من المشاركين في الاستفتاء من أبناء الجنوب السوداني، على الانفصال وإعلان تأسيس دولة مستقلة في جنوب السودان.
ويبقى التساؤل الكبير.. كيف سيمر يوم التاسع من يوليو على السودان، وهو يوم المخاض للدولة الجديدة في الجنوب؟ وهل ستكون الدولة الجديدة المتاخمة للعالم العربي عامل استقرار لحدوده الجنوبية؟ أم سوف يؤدي ميلاد هذه الدولة إلى نشوب صراعات من نوع جديد مع الدولة الأم في شمال السودان ينتج عنها تداعيات خطيرة على استقرار العالم العربي؟ وكيف سيكون شكل العلاقة بين الدولة الوليد والدول العربية؟ وهل الدولة الجديدة في جنوب السودان تملك مقومات الوجود والبقاء أم أن افتقادها للبنية الأساسية والموارد بخلاف النفط سوف يكون سببًا في أن تتحول هذه الدولة إلى عنصر عدم استقرار في المنطقة؟
»البيان« طرحت هذه الأسئلة وغيرها على عدد من الخبراء المعنيين بالشأن السوداني للإجابة عنها في هذا الملف.
يقول مستشار الأمين العام لجامعة الدول العربية لشؤون أفريقيا زيد الصبان إن هناك روابط ومصالح تاريخية تربط بين شمال السودان وجنوبه، كما توجد علاقات ثقافية واجتماعية وجغرافية بين الجانبين مما يجعل من الصعوبة أن ينقسم السودان إلى دولتين بدون أخذ هذه الروابط في الاعتبار سواء من جانب القائمين على دفة الأمور في الخرطوم أو في جوبا، معتبرا أن المرحلة الحالية التي يمر بها السودان هي انعطاف تاريخي وصل له السودان بعد استفتاء أعقب اتفاق سلام شامل، أوقف حربًا أهلية مستعرة استمرت عقودًا بين شمال السودان وجنوبه واتخذت أبعادًا سياسية وإثنية ودينية في بعض الفترات.
تحديات وفرص
ويشير الصبان إلى أنه مع هذه المعطيات فمن الطبيعي أن تكون هناك حالة من التوتر بين شمال السودان وجنوبه بعد الانفصال، وهو التوتر الذي بدأت مقدماته بالفعل خلال الفترة الماضية، لكن مع ذلك فإن مستشار الأمين العام لجامعة الدول العربية يأمل في أن يتخطى السودانيون هذه المرحلة الحرجة من تاريخ هذه المنطقة من العالم والعمل على تغليب الحكمة والتأكيد على الرغبة الجماعية بين أهل السودان في العيش المشترك بسلام، والتعاون للتغلب على ما يواجهه شمال السودان وجنوبه من تحديات تنموية واجتماعية واقتصادية وسياسية.
وأكد الصبان أنه في نفس الوقت الذي توجد فيه تحديات تواجه شمال السودان وجنوبه هناك أيضا فرص كبيرة للتعاون بين الجانبين لبناء مستقبل مشرق ومزدهر لأبناء الشمال والجنوب وليس لطرف على حساب طرف آخر.
وعن إمكانية نجاح دولة جنوب السودان الجديدة، يؤكد الصبان أن هذا النجاح مرهون بعوامل كثيرة من بينها قدرة الدولة الجديدة على مواجهة الصعوبات الإدارية والتحديات الاقتصادية والتنموية في جميع مناطق جنوب السودان، إلا أن يؤكد أيضا أن من الأهمية بمكان ألا يكون رهان الدول العربية أو جيران السودان هو الانتظار لحين فشل الدولة الجديدة في جنوب السودان أو نجاحها، بل ينبغي أن يكون الرهان على السعي لأن تصبح الدولة الجديدة عنصرًا لتحقيق الاستقرار في هذا المنطقة المهمة جدا للعالم العربي، على حد قوله.
علاقات تاريخية
وحول العلاقات المتوقعة لجامعة الدول العربية مع دولة جنوب السودان الجديدة يؤكد المستشار الصبان أن هذه العلاقات ستكون في إطار العلاقات الممتدة عبر التاريخ بين العالم العربي المترامي وبين أفريقيا، وهي علاقات راسخة على صعيد التاريخ والثقافة خاصة، مشيرا إلى أن الثقافات العربية والأفريقية عرفت التمازج في مناطق تمتد من موريتانيا غربًا -وهي دولة عضو في جامعة الدول العربية- وبامتداد القارة حتى أقصى الشرق في الصومال وجيبوتي مرورًا بدول مثل مالي والنيجر وتشاد ونيجيريا.
ويرى أن الثقافات بين الشعوب ولدت كي تتفاعل وتتقدم بالحضارة الإنسانية إلى الأمام، وعرفت هذه المناطق ملامح حضارية في أفريقيا والعالم العربي وحضارات ولدت من رحم الثقافة الأفريقية والعربية واختلاطهما في دول جنوب الصحراء من موريتانيا غربا إلى السودان والصومال وجيبوتي شرقا، مؤكدا أن الدعاوى التي تنطلق بين وقت وآخر للتفرقة بين العالم العربي شمال الصحراء وظهير هذا العالم من الدول الأفريقية جنوب الصحراء لا تنطلق من الجامعة العربية، بل من جانب بعض المستشرقين الذين تعاملوا مع القارة السوداء بنوع من التعالي والعنصرية.
أصول وديون
أما رئيس وحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية د. هاني رسلان، فيحذر من أن أخطر ما يواجه العلاقة في المستقبل بين شمال السودان والدولة الوليدة في الجنوب يتمثل في القضايا المتعلقة باقتسام النفط والمياه، بالإضافة إلى قضية تحمل تبعات الديون التي حصل عليها السودان الموحد، وما هي النسبة التي سوف يتحملها كل من شمال السودان وجنوبه من هذه الديون، وهذه القضية تتصل أيضا بتقسيم الأصول المملوكة للدولة السودانية وأرصدتها في الخارج.
ويتوقع رسلان أن تتسبب مثل هذه القضايا في مواجهات مسلحة بين الطرفين لكنها لن تصل إلى مستوى الحرب الشاملة، مشيرا إلى أن بعض التصريحات المنسوبة إلى مسؤولين سودانيين في جوبا أو الخرطوم حول قضية النفط أو الحدود أو وضع مدينة إبيي أو الأوضاع المتوترة في جنوب كردفان قد تتسبب في صدامات بين الجانبين.
ويعتبر رسلان أن التصريحات الأخيرة في هذا الصدد للرئيس السوداني عمر البشير تكشف عن محاولات من جانب حكومة شمال السودان في الخرطوم لممارسة ضغوط سياسية على جنوب السودان بالتزامن مع موعد إعلان استقلال الدولة الجديدة في جنوب السودان بهدف تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية على طاولة المفاوضات فيما يتصل بالقضايا الخلافية بين الجانبين، خاصة وأن حكومة جنوب السودان غير راغبة في حدوث أي توترات أو مواجهة عسكرية مع الشمال في هذا الوقت حتى يتم تثبيت الانفصال سياسيا وقانونيا وتحصل دولة جنوب السودان الجديدة على الاعتراف الدولي بها كدولة مستقلة.
القبلية..جوهر المشكلات
ويضيف رسلان أنه بالرغم من أن الجانب الظاهر للمشكلات التي تواجه الدولة الوليدة في جنوب السودان قد يكون سياسيًا، إلا أن جوهر هذه المشكلات وجذورها هي مشكلات وصراعات قبلية، وهو ما قد يعرض الدولة الوليدة في جنوب السودان لحرب أهلية شاملة إذا لم تغير حكومة سلفاكير في جوبا سياساتها الداخلية، وهو التغيير الذي قد يحدث تحت ضغوط خارجية خاصة من الولايات المتحدة الأميركية.
ويتوقع رسلان أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على حكومة جوبا للتوصل إلى اتفاق وطني شامل في هذا الصدد عبر إشراك كل القوى السياسية الجنوبية والقبائل بشكل متوازن في كل مستويات الحكم تفاديًا لتفجر حرب أهلية يرى رسلان أنها واقعة لا محالة بين قبائل الجنوب والفصائل السياسية المتناحرة في الدولة الجديدة بالنظر إلى أن ولاء المواطن في جنوب السودان هو بالأساس لقبيلته خاصة، وليس لفكرة الدولة الحديثة القائمة على أساس المواطنة، مع الأخذ في الاعتبار وجود صراعات تاريخية قديمة بين قبائل جنوب السودان تسبق ظهور تأسيس دولة مستقلة في الجنوب.
علاقات استباقية
وهذا الرأي، تتفق معه أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة د. إجلال رأفت التي تقول إن جنوب السودان ليس لديه بنية تحتية وتعاني مناطقه من الصراع القبلي الذي تغذيه جهات خارجية سواء في الشمال أو بعض الدول الأفريقية كأوغندا المجاورة، وكذلك على صعيد العلاقات المتوقعة بين دولة جنوب السودان الوليدة وبين الدول العربية.
وأضافت أن جنوب السودان جمعته علاقة «استباقية» -على حد وصفها- بدول عربية من بينها مصر التي شاركت في مشروعات للبنية التحتية في مناطق الجنوب، موضحة أن الجنوب تجمعه علاقات استباقية لتجربة الانفصال مع الدول العربية، حيث بذل سياسيون في الجنوب مجهودًا للاتصال بالدول قبل مرحلة الاستفتاء على الانفصال، ونجح جنوب السودان بالفعل في أن يكوِّن علاقات مع تجمع دول شرق أفريقيا الذي يضم خمس دول من حوض النيل.
وتضيف أستاذ الدراسات الأفريقية أن كلاً من الشمال والجنوب سوف يواجهان مشكلات عديدة بعد إعلان الانفصال رسميًا، فالشمال -على حد تأكيدها- سوف يفقد موارده من النفط الذي يقع 80 في المئة من مناطق إنتاجه في الجنوب، كما أن الجنوب يفتقد البنية الأساسية والخبرات الإدارية لإدارة دولة حديثة قادرة على التصدي للتحديات التي ستواجهها.
حقول ألغام ظاهرة وخفية
ويقول المحلل السياسي ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق د. عبدالله الأشعل إن «هذه أول مرة تنشأ دولة وليدة في أفريقيا؛ لذلك سوف تمر هذه الدولة بحالة من عدم الاستقرار سواء من ناحية عناصر الدولة في الداخل أو علاقتها بالشمال، كما أعتقد أن علاقتها بالعالم العربي سوف تكون معقدة لأنه لم يعتد أن تنقسم إحدى دوله، ومع ذلك فمن الممكن أن يساهم العالم العربي اقتصاديًا لخلق علاقات جيدة مع هذه الدولة الوليدة».
ويشير الأشعل إلى أن الحركة الشعبية بعد أن أخرجت الجنوب طوعاً أو كرهاً من إطار الدولة الواحدة, فإنه لن يكون بمقدورها أن تعود به إلى ذات الإطار مرة أخرى, لأن القرار هنا سيكون قرار الشماليين.. ومع ذلك فالتخوف قائم من «تفريغ» الجنوب من الجنوبيين بقصد أو بدون قصد بسبب المشكلات المنتظرة والتي أخذت تطل برأسها من الآن, مثل المواجهات القبلية المسلحة وتصفية الخصوم وعدم الالتزام بمسؤوليات الحكم التي تقضي بأن يقف الحاكم على أمر المحكوم تماماً، وأن يوفر له الخدمات الأساسية ابتداء من صحة البيئة ومروراً بالصحة العامة والتعليم والطرق وتوفير فرص العمل والسلع والمواد التموينية اللازمة والضرورية.
ألغام على الطريق
ويتابع الأشعل :«الألغام التي تواجه الدولة الوليدة الجديدة لن تكون ما أشرنا إليه فقط, لأن النزاعات حول إبيي ستزعزع الدولة الجديدة, كما أن محاولة حكومة الجنوب التدخل في الشأن الشمالي مثلما يحدث الآن في جنوب كردفان سيكون من أصعب ما تواجه به الحركة الشعبية ميلاد سودانها الجديد الذي تحلم به». أما أكبر الألغام التي ستواجه الحركة الشعبية والدولة الجديدة الوليدة فستكون «موقف أبناء الشمال من بقايا الحركة وأتباعها في الشمال الذين قد لا يقبل بهم أحد بعد التاسع من يوليو المقبل.. إضافة إلى الديون المستحقة على دولة السودان والتي لم تحل مشكلتها بعد».
