ركز آخر تقرير لبعثة الأمم المتحدة إلى السودان الشهر الماضي على ولاية جنوب كردفان الغنية بالنفط قبيلة انفصال شمال السودان عن جنوبه في التاسع من يوليو الجاري والذي أجاب عن عدة تساؤلات ظلت تطرح لدى المهتمين بشؤون هذا البلد الذي يعد أكبر دولة أفريقية إلى غاية 9 يوليو الجاري موعد الانفصال الرسمي المقرر.

وذكر التقرير أن أكثر من 73ألف شخص من ولاية جنوب كردفان بعد قتال عنيف اندلع يوم 5 يونيو الماضي بين الجيش الشمالي «القوات المسلحة السودانية» والأعضاء السابقين لحركة التمرد السابقة، الجيش الشعبي لتحرير السودان مشيراً إلى أن القتال العنيف في كادقلي عاصمة الولاية، بدأ حينما شنت القوات المسلحة السودانية قصفاً جوياً على أماكن متعددة بمنطقة جبال النوبة في جنوب كردفان.

وتحدثت جماعات المجتمع المدني وشهود عيان عن مقتل مدنيين والقيام بعمليات تفتيش للمنازل في كادقلي والقرى المحيطة بها فيما يتهم الزعماء الدينيون القوات الحكومية بارتكاب جرائم «تطهير عرقي»، و هي اتهامات ترفضها الخرطوم.

وذكر شهود العيان الذين فروا من كادقلي أن أشخاصاً قُتلوا رمياً بالرصاص في الشوارع، وجرت اعتقالات جماعية ونهب وحرق للمباني، بما في ذلك مكاتب المنظمات الإنسانية ومباني الكنائس. كما أنهم يدعون أنهم استُهدفوا بسبب انتمائهم العرقي.

من جهته، ذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن المنظمات الإنسانية لا تزال غير قادرة على الوصول بحرية إلى المدنيين، على الرغم من التحسن في الوضع الأمني لافتاً إلى أن تبقى المعلومات الواردة من داخل جبال النوبة تظل محدودة، فيما تتردد أنباء عن انقطاع خدمات الهاتف النقال في العديد من المناطق.

في هذا السياق ذكرت حملة مشروع «إناف» أن صور الأقمار الصناعية تظهر تجمعات القوات المسلحة السودانية والمركبات العسكرية في المنطقة فيما يظل المجال الجوي فوق جنوب كردفان مقيداً بشدة. من جانبها قالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس، ، أن القوات المسلحة السودانية هددت بإسقاط الطائرات التي تحلق من دون تصريح منها.

 

دوافع الاقتتال

كانت ولاية جنوب كردفان ساحة معركة رئيسية خلال الحرب الأهلية في السودان، في الفترة من 1983 إلى 2005، وقد ساند العديد من سكان جبال النوبة الجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي كان متمرداً آنذاك وأصبح الآن الجيش الرسمي لجنوب السودان ،وفي الوقت الراهن يجد هؤلاء أنفسهم على الجانب الخطأ من الحدود، بعيداً عن الرفاق السابقين في الجنوب الذي يستعد للانفصال، كما أنهم قاوموا تسليم الأسلحة إلى القوات التي يعتبرونها معادية لهم.

ومع اقتراب موعد الانفصال أعلنت الخرطوم أنها لن تسمح بوجود جيشين داخل حدودها غير أن الجيش الشعبي لتحرير السودان يقول أنه لا يملك قوات في الشمال، وأنه ليس مسؤولاً عن أعضائه السابقين في الولاية.

من جهتها تؤكد الخرطوم أن القتال بدأ بعد أن حاولت نزع سلاح القوات التابعة للجيش الشعبي في كادقلي غير أن شهود عيان أفادوا أنها عملية مخطط لها مسبقاً من قبل القوات المسلحة السودانية والميليشيات المتحالفة معها حيث يدرك نشطاء النوبة أن هذا الصراع ليس صراعاً بين الشمال والجنوب، بل يرون أنه معركة من أجل حماية الحقوق الأساسية وطريقتهم في الحياة.

 

أصل النوبة وقاداتهم

النوبة هي مزيج من أكثر من 50 جماعة عرقية مختلفة، معظمهم من المزارعين المستقرين الذين يعيشون في المناطق المرتفعة المتناثرة، ومن بينهم مسلمون ومسيحيون وأتباع المعتقدات التقليدية المحلية. ومن الناحية العرقية، يرتبط سكان النوبة عادة بشكل وثيق مع الجنوبيين «الأفارقة» أكثر من جيرانهم العرب في الشمال، وفرت لهم المرتفعات ملجأ لعدة قرون، بما في ذلك الجماعات الفارة من غارات الرقيق. وتتكون المنطقة الأوسع من جنوب كردفان من خليط متقلب من جماعات متنافسة مختلفة، عربية وإفريقية.

حيث تفاقمت العداوات القديمة التي نشأت في زمن الحرب بسبب الضغط على المراعي. ويُقدر عدد جنود النوبة الباقين في صفوف الجيش الشعبي لتحرير السودان بحوالي 40ألف جندي، يُعتقد أن معظمهم قد تم نشره داخل الجنوب.

ويقود قوات المعارضة داخل النوبة عبد العزيز الحلو، الذي كان يشغل سابقاً منصب نائب الوالي، وهو جندي ذو خبرة طويلة وقائد حروب عصابات.

 

تظلمات النوبة

يشعر العديد من أهل النوبة كما لو كان رفاق السلاح السابقون في الجنوب، الذين قاتلوا معهم جنباً إلى جنب أثناء الحرب الأهلية، قد تخلوا عنهم ويشعر الكثيرون أنه لم يتم توفير آلية لضمان الحقوق التي حاربوا من أجلها.