منذ صدور القرار الاتهامي في قضية رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 30 يونيو الماضي دخل لبنان رسمياً في مرحلة جديدة، الأمر الذي يفرض تحدياً غير مسبوق في تاريخه، وخصوصاً أن هذا القرار اقتحم ساحة هذا البلد الذي يعاني انقساماً حاداً يتخذ أبعاداً مذهبية، ما يؤمّن من حيث المبدأ بيئة حاضنة ومناسبة لرياح التحريض والتعبئة وإن لم يُظهر أي طرف حتى الآن استعداداً للّعب بالتوتر المذهبي على نحو التشنّج الذي تبادله الفريقان منذ إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري.
ولعل اللافت للانتباه في الساعات الماضية هو الاستنفار السياسي الذي أعلنته قوى 14 آذار في صفوفها غداة صدور القرار الاتهامي، واندرج في هذا السياق المؤتمر الخامس الذي عقدته الأمانة العامة لقوى 14 آذار في فندق البريستول، أمس، تحت عنوان «المحكمة طريقنا الى الخلاص»، فيما حاولت كتلة «المستقبل» في بيان أصدرته أول من أمس امتصاص حدّة ما كان أعلنه زعيمها الرئيس سعد الحريري بعد صدور القرار، لناحية اعتباره القرار بمثابة الحكم المبرم، فيما هي أشارت الى وجود قرينة البراءة الى أن تثبت الإدانة. وأعلنت أن القرار ليس حكماً، وهو «إن طال شخصاً، فإنه يطاله حصراً ولا يشمل عائلته أو طائفته أو جماعته».
جلسات نيل الثقة
وعلى وفرة التأويلات المتناقضة حيال مرحلة ما بعد تبلّغ القرار الاتهامي بين قوى 8 و14 آذار، فإن هذا القرار سيجد مسرحه الأرحب في الأيام الثلاثة المخصّصة، 5 و6 و7 يوليو الجاري، لجلسات مثول حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أمام مجلس النواب لنيل الثقة. بل الأحرى أن القرار سيخطف الأضواء من طريق مناقشة البيان الوزاري، وفق مصادر مراقبة، كي تتوجّه الحملات على حكومة تريد أن تصوّرها المعارضة على أنها تريد أن تنأى بنفسها عن التعاون مع المحكمة الدولية، والتنصّل من القرارات الدولية، وتسعى إلى حماية المطلوبين الأربعة.
وبحسب المصادر، فإن المعارضة الجديدة (قوى 14 آذار) ستلتقط أنفاسها، مفترضة أن القرار الاتهامي الذي يطال أسماء في حزب الله، الممثل في السلطة السياسية، سيوفّر عليها الكثير من الجهد لتهشيم صورة الحكومة وإسقاطها سريعاً، خصوصاً إذا رفضت هذه الحكومة التجاوب مع القرار ومفاعيله، الأمر الذي سيضعها في موقع المتهم.
في المقابل، وبحسب المصادر نفسها، فإن الأكثرية الجديدة ستجد نفسها، في بداية تجربتها وقبل أن تنال الثقة، أمام اختبار دقيق محلياً ودولياً، يتوقف على نتائجه مسار مستقبلها، وربما سيكون موقع الرئيس نجيب ميقاتي هو الأدقّ، باعتباره يقف على تماس مباشر مع بيئته من جهة ومع المجتمع الدولي من جهة أخرى.