شهدت مصر خلال الساعات الـ 36 الماضية أصعب أيامها، منذ الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك، إثر اندلاع مواجهات عنيفة ليلة أول من أمس وامتدت فجرا في ميدان التحرير وضواحيه بوسط العاصمة القاهرة بين قوات الأمن ومتظاهرين من ذوي ضحايا أحداث ثورة الـ25 من يناير.
وبينما تضاربت الأنباء حول أسباب الاشتباكات قرب مبنى وزارة الداخلية المصرية التي خلفت مئات الجرحى، قبل أن تسود حالة من الهدوء والحذر.. دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الحاكم) ورئيس الوزراء المصري د. عصام شرف الشعب المصري وشباب الثورة إلى «عدم الانسياق وراء الدعوات التي تهدف إلى زعزعة أمن واستقرار مصر».
وقال المجلس العسكري في بيانه رقم 65 على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك فجر أمس إن الأحداث المؤسفة التي شهدها ميدان التحرير «لا مبرر لها إلا زعزعة أمن واستقرار مصر وفق خطة مدروسة ومنظمة» يتم فيها استغلال دم شهداء الثورة بغرض إحداث الوقيعة بين الثوار والمؤسسة الأمنية لتحقيق هذه الأهداف.
ودعا المجلس الشعب المصري وشباب الثورة ومفجريها الى عدم الانسياق وراء هذه الدعوات والعمل على مقاومتها واجهاضها حفاظا على أمن وسلامة مصر في هذه الظروف العصيبة.
من جهته، أكد شرف أن «هناك شيئاً منظماً لنشر الفوضى في البلاد، مجدداً دعوته لشباب الثورة وللشعب المصري للمحافظة على ثورتهم المجيدة». وقال في مداخلة متلفزة إن «هذا الموقف يعد محكا لشباب الثورة وغيرهم من القائمين عليها»، لافتا إلى أنه على اتصال دائم مع وزير الداخلية وجهات أخرى للوقوف على الأحداث أولاً بأول.
وأشار شرف إلى أنه لا يزال ينتظر التحقيقات للوقوف على حقيقة الأوضاع، مطالبا شباب الثورة بالوقوف إلى جانب الحكومة والشرطة والمحافظة على أمن الوطن، مؤكدا أن التحقيقات ستظهر المسؤول عما حدث وسيتم معاقبته. وشدد شرف أن الشرطة كانت تقوم بحماية الممتلكات العامة، وأنها لم ولن تستخدم العنف؛ إلا إذا ما كان هناك عنف في المقابل.
سحب القوات من الشارع
وكان وزير الداخلية المصري اللواء منصور العيسوي أصدر أمرا لجميع قوات الشرطة بالانسحاب من ميدان التحرير وعدم التعامل على الإطلاق مع المتظاهرين. ونقل الموقع الرسمي للتلفزيون المصري عن وزير الداخلية قوله إنه «سيقوم بنفسه بالتحقيق في أي تجاوز قد حدث من أي من أفراد الشرطة في التعامل مع المتظاهرين بميدان التحرير»، مشددا على أن «الوطن يحتاج في تلك المرحلة الدقيقة للتعاون الكامل والوثيق بين رجل الشرطة والمواطن من أجل حماية الجبهة الداخلية للبلاد».
ودعت وزارة الداخلية المصرية في هذا الصدد «مواطني مصر الشرفاء وشباب الثورة عدم الانصياع إلى الشائعات التي قد تتردد في مثل هذه المواقف والتي يروجها البعض لتحقيق مآرب خاصة وتتعمد إحداث وقيعة بين الشعب والشرطة». وأكدت على أن التعليمات الصادرة لقواتها «هي التزام الحكمة وأقصى درجات ضبط النفس مع تأمين المناطق المحيطة بميدان التحرير وحماية المنشآت والممتلكات العامة والخاصة من أي عمليات تخريبية».
تضارب التبريرات
يأتي ذلك في وقت تضاربت فيه التبريرات حول أسباب اندلاع تلك الاشتباكات، ففيما تقول قوات الأمن إنها تدخلت لتفريق متظاهرين حاولوا اقتحام حفل في مسرح البالون بوسط العاصمة المصرية القاهرة أقيم لتكريم شهداء الثورة، قال المتظاهرون إن قوات الأمن منعت الأهالي من دخول القاعة.
أما موقع جريدة «الأهرام» الالكتروني فقد عزى الاشتباكات لحادث آخر، أن «شائعة سرت عن احتجاز والدة أحد شهداء الثورة داخل وزارة الداخلية مما أدى إلى محاولة المتظاهرين التوجه لمقر وزارة الداخلية في محاولة لاقتحامها رغم تأكيد القيادات الأمنية بموقع الأحداث عدم وجود أي محتجزين بمقر الوزارة».
أسلحة بيضاء
إلى ذلك، أفاد شهود عيان من الحادث أنهم «لاحظوا وجود أناس سموهم «البلطجية» في موقع الحادث يحملون العصي وأسلحة بيضاء». وذكر شهود لوكالة الأنباء الفرنسية ان «حافلات قامت بإنزال شباب مسلح بالعصي والسكاكين، واتهموا فلول النظام السابق بإثارة الشغب».
وكانت مصادر طبية قدرت عدد المصابين في الاشتباكات بأكثر من ألف مصاب، فيما شكك المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء في صحة هذه الأرقام. وكان مصدر أمني طلب عدم ذكر اسمه، قال في وقت سابق إن «قوات الأمن اضطرت لإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي في الهواء لتفريق المتظاهرين».
وأفادت المصادر الأمنية أن «أعمال شغب وقعت في ميدان التحرير ولوحظ تزايد أعداد المتجمعين واستمرارهم في التعدي على المواطنين والمنشآت والسيارات، ورفضهم الانصياع لتعليمات الأمن بوقف ممارساتهم وتعمدهم زيادة الاحتكاك برجال الشرطة»، وأوضحت المصادر أن إصابات الجنود «جاءت كلها نتيجة الإصابة بالحجارة وأغلبها إصابات في الرأس، أما إصابات المواطنين فجاء أغلبها نتيجة الإصابة باختناقات ناجمة عن إطلاق كثيف للغاز المسيل للدموع».
وفي سياق متصل، أعادت قوات الشرطة انتشارها معزّزة بآليات خفيفة وسيارات نقل جنود في الشوارع القريبة من الميدان وفي محيط مبنى وزارة الداخلية القريبة منه.
اعتصام مفتوح
في الأثناء، أعلنت حركة «شباب 6 إبريل» البدء في اعتصام مفتوح حتى تحقيق خطوات حقيقية في مطالب الثورة، واحتجاجا على ما شهده الميدان من اشتباكات. ووصفت الحركة في بيان على موقعها عبر الانترنت ما حدث بأنه «تعامل أمني غير مفهوم او مقنع».
وقالت الحركة إن المظاهرات التي كانت ستدعو إليها يوم 8 يوليو «ستبدأ من الآن»، داعية قوات الأمن إلى الانسحاب فورا من الميدان وإخلائه بالكامل لحين انتهاء الأزمة وإيقاف فوري لتصعيدها الأمني والمستمر تجاه المتظاهرين.
كما طالبت بسرعة محاكمة مبارك وحاشيته ووقف المحاكمات العسكرية للمدنيين بشكل نهائي، والبدء بشكل شامل في تطهير كامل للوزارات والمؤسسات الرسمية من بقايا النظام القديم، بالإضافة إلى منع التعرض نهائيا إلى حرية الإعلام وحرية التظاهر.

