قائمة الأولويات الأميركية المهمة في اللحظة الراهنة مزدحمة، من موضوع المديونية العامة إلى الحملة الانتخابية التي انطلقت، مروراً بالانسحاب من أفغانستان، وانتهاء بالعلاقة مع باكستان، رغم ذلك؛ عاد ملف عملية السلام إلى التداول بصورة ملحوظة في الأيام الأخيرة، ليس بالضرورة حرصاً على السلام المقبول، بل أساساً على إعفاء إسرائيل من عزلة متزايدة وعلى إبعاد إحراج جديد لواشنطن، فشهر سبتمبر خلف الباب، وهو الموعد المتوقع أن تتقدم خلاله السلطة الفلسطينية بطلب إلى مجلس الأمن الدولي لمنحها العضوية كدولة في الأمم المتحدة.
ومع أن أوساطا أميركية ودبلوماسية في واشنطن تتوقع ألا تكمل السلطة هذا الشوط إلى آخره؛ لأنها تتعرّض لضغوط متنوعة تحاول إثناءها عن هذه الخطوة؛ إلاّ أن الحراك لاستباق هذا الاستحقاق آخذ في التزايد وعلى أكثر من مستوى.
دعم الدولتين
في واجهة هذا التحرك يأتي ما يشبه الحملة التي تقوم بها جهات ومنظمات يهودية أميركية تدعم صيغة الدولتين، لكن وفق مواصفات ومقاييس إسرائيلية، إحداها «مركز السلام للشرق الأوسط » في واشنطن الذي بدأ ينشر إعلانات في وسائل الإعلام؛ بهدف الترويج لدعوته في صفوف الجالية اليهودية وصنّاع القرار الأميركي، مستعينا في ذلك بمواقف أميركية وإسرائيلية إعلامية وسياسية تدعو لتحريك عجلات التسوية ومطالبة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بالقبول بمرجعية حدود 67 مع المقايضة بالأراضي.
وكان من اللافت أن يجري التركيز في هذا الخطاب على الجانب الديموغرافي، من خلال تسليط الأضواء على أن التركيبة السكانية العامة تأخذ منحى لغير صالح إسرائيل.
فحسب أحد الإحصاءات الأخيرة، يشكل اليهود داخل حدود ما قبل 67، غالبية تصل إلى 80 في المئة، فيما لا يشكلون مع سكان الضفة سوى 60 في المئة. وتشير الأرقام إلى أن نسبة الولادات الفلسطينية تتزايد بوتيرة أسرع من النسبة الإسرائيلية؛ الأمر الذي يؤدي بعد أجل «إلى خسارة إسرائيل لهويتها اليهودية، ويهدّد بتحويلها إلى نظام أبارتايد».
المعادلة الديموغرافية
وفي هذا الخصوص ذكر مصدر إسرائيلي شارك في ندوة عقدت في مركز «وودرو ويلسون للدراسات» في واشنطن بأن نتانياهو استدعى في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أحد الباحثين في الشؤون السكانية للاستفسار منه حول حقيقة المعادلة الديموغرافية في إسرائيل. الاستنتاج كما قال، إن زعيم الليكود ربما أراد من تسليط الضوء على هذا الموضوع الحساس كمدخل للعودة إلى التفاوض على أساس مرجعية حدود 67 المعدّلة بالمقايضة، فزعمه أن هذه الحدود «غير قابلة للدفاع عنها»، نفاه مؤخراً عدد من كبار العسكريين الإسرائيليين المتقاعدين.
وسط هذه الأجواء، تتردّد تلميحات تحرص أن تبدو واعدة بشأن إحياء التفاوض، لكن في المقابل يتحدث فريق من أنصار إسرائيل بلغة التحذير الموجّه إلى رام الله بأنه لو أصرّت السلطة على طلب العضوية من مجلس الأمن «فإن ذلك قد يقضي على احتمال العودة إلى المفاوضات»، كما يقول المعاون الأسبق للمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط آرون ميللر، رغم أنه يعترف في ردّه على سؤال لـ«البيان» بأنه من الصعب جدّاً على نتانياهو العودة إلى الطاولة، قد يعود إذا حدث ذلك على الاعتراف بإسرائيل كدولة لليهود وقد لا يعود.
أصحاب الغيرة المفاجئة على السلام في واشنطن يطالبون إدارة أوباما «بإطلاق مبادرة» لإنقاذها، وذلك؛ لإحباط الاستحقاق الفلسطيني في الأمم المتحدة.