على عتبة الأسبوع الثالث بعد الإعلان عن تشكيل حكومته، لا يزال لبنان يشهد سباقاً بين حكومة تحاول أن تنجز بيانها الوزاري في أسرع وقت ممكن، مع انقضاء نصف المهلة الدستوريّة لوضع بيانها وإقراره في مجلس الوزراء، وبين قرار إتهامي عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تردّدت معلومات أنه سيصدر على الأرجح بين الثاني والرابع من شهر يوليو المقبل.

وفيما الواقع لم يلحظ بعد أي معلومات مؤكدة في هذا الشأن، كما أن السلطات اللبنانية الرسمية لم تتلقَّ حتى الآن أيّ مؤشر جدّي ورسمي من جانب المحكمة الدولية، ما دفع بمرجع سياسي بارز الى طرح التساؤل: هل أن هذه التسريبات تشكّل تمهيداً لصدور قريب، أم أنها تأتي في إطار إثارة الغبار بمزيد من الضغوط بهدف توظيفها في اللعبة السياسية الداخلية؟

وكانت اللجنة الوزارية المكلّفة وضع البيان الوزاري استأنفت جولة خامسة من اجتماعاتها أمس، للانتهاء من الشقّ الاقتصادي والمالي، قبل الانتقال إلى البند الأخير المتعلّق بالمحكمة الدولية، والذي لم يطرح بعد، وسط وجود ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول، ويمثله وزراء النائب وليد جنبلاط، يميل لاستعارة حرفيّة لما ورد في البيان الوزاري للحكومة السابقة، إلا أن هذا التوجه لا يحظى بقبول واسع.

الاتجاه الثاني يميل إلى عدم ذكر المحكمة الدولية نهائياً في البيان، وهو ما يعارضه الرئيس نجيب ميقاتي ووزراء جنبلاط.

أما الاتجاه الثالث، وهو المرجح، فهو يميل إلى اعتماد نصّ مرِن حول كيفية الالتزام بالمحكمة، ويجمع بين المقبول والمعقول، حيث برزت عبارة «عدالة المحكمة» كمخرج مقبول من الجميع.

وفي السياق، علمت «البيان» أن الصيغة التي وضعها ميقاتي لبند المحكمة الدولية تجمع بين جملة اعتبارات: مراعاة علاقات لبنان والتزاماته الدولية، ومن ضمنها المحكمة الدولية، ومراعاة مبدأ كشف الحقيقة وتحقيق العدالة التي هي محل إجماع وطني، إضافة الى ضمان الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي اللبناني ووحدة الشعب والأرض.

 

3 مشاريع

ووفق مصادر وزارية، فإن مشاريع صيغ ثلاث لبند المحكمة سقطت حتى الآن. الصيغة الأولى، اعتماد الفقرة 13 الخاصة بالمحكمة في بيان الحكومة السابقة. والثانية، الحفاظ على البند القديم مع إضافة عبارة «الحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي ومصلحة لبنان العليا». وأمام التحفظات، طرِحت صيغة ثالثة تقول إن لبنان يلتزم المواثيق الدولية واحترام قرارات الشرعية الدولية والتأكيد على معرفة الحقيقة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على أن يحال أي خلاف سياسي في شأن المحكمة إلى هيئة الحوار الوطني.

 

عثرات البيان الوزاري

إلى ذلك، وفيما يتحضّر رئيس الجمهورية للسفر يوم الجمعة المقبل إلى موناكو تلبية لدعوة خاصة من أميرها، تبدو الحكومة ملزمة بإنجاز بيانها الوزاري ضمن المهلة الدستورية التي تنتهي في 13 يوليو المقبل. علماً أن هذه المرحلة تبدو حافلة، إذ أن الدوائر الرسمية الأوروبية تبدأ عطلتها الصيفية الرسمية في 15 يوليو، ما يجعل التسريبات القائلة بصدور القرار الإتهامي خلال أيام جدية. ومن هنا برز الربط بين صدور البيان الوزاري قبل أو بعد صدور القرار الإتهامي، ولهذه المسألة أهمية خاصة.

وفي المحصلة، فإن تحدّيين اثنين يواجهان الحكومة الجديدة الأسبوع الجاري، وهذان التحديان مرتبطان بموضوع واحد وحيد: المحكمة الدولية.

التحدي الأول يكمن في أن البيان الوزاري لا يزال يتعثر بين الصيغ والصيغ المضادّة، إذ ذكرت معلومات صحافية أن أكثر من صيغة جرى التداول بها للاتفاق على مخرج لبند المحكمة، إلا أن أياً من هذه الصيغ لم يلقَ رضى كل أطراف الحكومة، ما أوجد عقدة قد يصعب إيجاد حلّ سريع لها.

أما التحدي الثاني الذي يواجه الحكومة، فهو اقتراب صدور القرار الإتهامي، الذي تتقاطع كل المعلومات عند توقّع أن يصدر في الأسبوع المقبل، وهذا الأمر يطرح جملة صعوبات أمام الحكومة، إذ كيف ستتعامل مع هذا القرار في حال توجيهه اتهامات إلى عناصر من حزب الله أو إلى مسؤولين سوريين؟ وهل السلطات القضائية والأمنية ستنفذ مذكرات التوقيف الصادرة بحق أطراف لبنانيين؟ كيف؟ وبأي طريقة؟ وفي حال امتناعها عن ذلك، كيف سيتصرف المجتمع الدولي؟

وفي هذا السياق، أشارت مصادر سياسية لـ «البيان» الى أن الرئيس ميقاتي، والذي يجهد لتدوير الزوايا، واقع بين ضغط خارجي وضغطين داخليّين. فالمجتمع الدولي أبلغه، عبر سفرائه، عدم القبول بأقل من صيغة واضحة واستعداد لتعاون كامل.

وفي الداخل، فإن حزب الله وحلفاءه لن يقبلوا إعلاناً عن تعاون سقطت بسببه حكومة الرئيس سعد الحريري. أما الضغط الداخلي الثاني على ميقاتي وحكومته، فهو المجاهرة الواضحة لتيار المستقبل وقوى 14 اذار بالسعي لإسقاط الحكومة، والعنوان الأول «نزع السلاح من مدينة طرابلس»، تمهيداً لتعميم التجربة على جميع المناطق اللبنانية.